انا متزوجه بقى لي 12 سنه

“ريهام.. الجلسة القادمة بعد غد هي جلسة النطق بالحكم النهائي في قضية السرقة بالإكراه والتعدي، ومدحت يواجه حكماً قد يصل إلى سبع سنوات سجن مشدد. لكن مدحت عن طريق محاميه أرسل عرضاً أخيراً وغير متوقع إطلاقاً.. عرضاً قد يقلب كل الموازين ويتضمن سر خطير يخفيه عن الجميع منذ سنوات طويلة.”
نظرت ريهام إلى الأستاذ مراد بذهول واستفهام، وشخصت أبصارها نحو الملف الذي يمسك به بين يديه. تنحنح المحامي وقال بصوت خفيض ملؤه الجدية:
“مدحت أرسل مع محاميه إقراراً رسمياً مسجلاً ومعتمداً، يعترف فيه بمسؤوليته كاملة عن كل ما حدث، ويتنازل بموجبه عن أي مطالبات أو حقوق مادية أو عينية، ويدفع التعويض المالي الذي حددناه كاملاً نقدياً من أصل مستحقاته وممتلكاته الشخصية المباعة. لكن السر الحقيقي ليس هنا يا ريهام.. السر يكمن في التقرير الطبي الشامل الذي أرفقه مع الإقرار.”
فتحت ريهام التقرير الطبي المرفق، ولما قرأت سطوره الأولى أظلمت الدنيا في عينيها من شدة الصدمة. كان التقرير صادراً عن أحد المراكز الطبية الكبرى منذ أكثر من تسع سنوات، ويثبت بوضوح حاسم أن العقم والعقم المنسوب لمسألة الإنجاب كان بسبب مشكلة طبية دائمة وغير قابلة للعلاج لدى مدحت نفسه، وأن ريهام كانت سليمة تماماً ولا تعاني من أي مانع صحي يمنعها من الأمومة!
سقطت الأوراق من يد ريهام على الطاولة، وشعرت بزلزال يضرب كيانها. تسعة أعوام كاملة قضاها مدحت وهو يوهمها ويوهم أهله بأن المانع منها، تركها تتجرع مرارة الشعور بالذنب، وتتنقل بين عيادات الأطباء وتتحمل الآلام الجسدية والنفسية لعمليات الحقن المجهري والفحوصات القاسية، في حين كان هو يعلم يقيناً أنه السبب، واستغل صبرها وصمتها ليحملها عقاباً لم تكن طرفاً فيه، بل وتمادى في طغيانه ليجلب لها ضرة ويحاول سلبها شقتها وعرقها!
قال الأستاذ مراد بنبرة أسى: “مدحت كان يخفي هذا التقرير خوفاً من الشكيمة والمظهر أمام أهله ومجتمعه، وقرر أن يضحّي بكِ وبشبابكِ لتظلي القفص الذي يحمي سرّه. وهو الآن يترجاكِ بهذا الاعتراف وهذا المستند لتسديد ثمن ظلم السنين، مقابل أن تقبلي التصالح وتنزلي بالتهمة من سرقة بالإكراه إلى مشاجرة عادية، ليخرج بحكم مخفف أو مع وقف التنفيذ بعد أن أمضى أشهر الحبس الاحتياطي.”
وقفت ريهام على قدميها، وجمعت أوراقها بثبات لم يعهده المحامي من قبل. لم تعد هناك دموع في عينيها، بل كان هناك يأس واحتضار لآخر طيف للمواجد أو الحسرة على رجل لم يعرف للإنسانية أو المروءة معنى.
في صباح اليوم التالي، اكتظت قاعة محكمة الجنايات بالحاضرين. جلس مدحت في قفص الاتهام بملابس السجن البيضاء، وجهه شاحب للغاية وجسده نحيل، وأمه الحاجة فايزة تجلس في الصفوف الأولى تئن وتبكي وترفع يديها بالدعاء.
دخلت ريهام القاعة ترتدي ثوباً أسود أنيقاً، تمشي بخطوات واثقة وهامة مرفوعة، وبجوارها شقيقها والأستاذ مراد. تلاقت عينها بعيني مدحت قبالة القفص؛ كان ينظر إليها بنظرة توسل ذليلة، يستجدى في عينها عفواً أو نظرة عطف تبقيه بعيداً عن غياهب السجن.
نُودِيَ على القضية، ووقف الأستاذ مراد أمام رئيس المحكمة، وقدم مذكرة ختامية تُفند الواقعة، ثم أخرج إقرار الاعتراف والتقرير الطبي، وقال بصوت هز جنبات القاعة:
“سيادة الرئيس.. الموكلة لا تطلب انتقاماً، ولا تطلب سوى إرساء العدل. نحن نقبل التسوية المالية والمدنية ونتنازل عن الشق الشخصي في الدعوى بعد استرداد كافة الحقوق والممتلكات المغتصبة وإظهار الحقيقة كاملة أمام الأهل والمجتمع ببراعة موكلتي من أي ذنب، لكننا نترك الشق الجنائي والعدالة الجنائية لهيئة المحكمة الموقرة لتقرر ما تراه رادعاً لمن استغل القوة وتعدى على حُرَمات الطريق العام والسكن.”
عمّ الصمت أرجاء القاعة لدقائق، قبل أن تصدر المحكمة حكمها النهائي: قبول الصلح في الشق المدني والتنازل الشخصي، وتعديل القيد والوصف للجريمة، مع معاقبة المتهم مدحت بالسجن لمدة سنة واحدة مع الشغل والنفاذ عن تهمة التعدي وترويع المواطنين، وإلزامه بالمصاريف والتعويض المالي المناسب.
طارت الصرخة من فم الحاجة فايزة وسقطت مغشياً عليها في القاعة، بينما انهمرت الدموع من عيني مدحت وهو يُساق مكبلاً بالأغلال نحو محبسه لقضاء عقوبته، بعد أن فقد عمله، وسمعته، وشقته، وزوجته الجديدة، وانكشفت سوأته وسره الذي خبأه تسع سنوات أمام العائلة والجميع.
خرجت ريهام من المجمع القضائي، واستنشقت هواء الصباح النقي وهي تنظر إلى السماء. رفعت رأسها وقالت بابتسامة صافية: ” الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.”
عادت ريهام إلى شقتها، الشقة التي اشترتها بمالها وشقائها. فتحت النوافذ ليدخل شعاع الشمس الدافئ، وبدأت رسم لوحاتها وتصميماتها الجديدة لمكتبها الهندسي المستقل. كانت في السابعة والثلاثين من عمرها، لكنها شعرت أن حياتها الحقيقية، المليئة بالكرامة والحرية والسلام النفسي، قد بدأت للتو.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *