اتجوزت على مراتي
روايات_مشيره_محمد
فتحت الرسالة وإيديا بترتعش. الورقة كانت أقدم من الزمان نفسه، وحبرها باهت شوية، بس الكلام كان واضح زي الشمس. عينيا نزلت بسرعة على السطر الأخير اللي هي حاطة تحتيه خط بإيدها المرتعشة، وقريت الجملة اللي نزلت عليا زي الصاعقة
يا أحمد… البنت الصغيرة اللي أنت سيبتها ومشت، والبنات اللي كنت فاكرهم بناتك… مش بناتك بس. السر اللي خبيته عليك طول السنين دي إن عيلتك عندها جينات ووراثة مخبية، والدكتور كان قال لي إنك أنت اللي عندك مشكلة في الكروموسومات وهي اللي بتخلي كل خلفة جيناتك تطلع بنات، والولد اللي فرحان بيه ده… مستحيل يكون ابنك قانوناً وطبياً لو عملت تحليل DNA، لأن جيناتك ما بتخلفش ذكور إطلاقاً!
الورقة وقعت من إيدي على الأرض. حسيت الدنيا بتدور بيا، والسقف بينزل فوق دماغي. الصوت قطع من حلقي، وركبي ما شالتنيش، وقعت على الكرسي وأنا بصة لأحمد جوزي اللي كان واقف قدامي ووشه زي الجثة، عيونه ميتة وحمرا من كتر العياط.
بص لي بصة عمري ما هنساها، بصة فيها كمية كره وكسرة تخوف، وقال بصوت واطي ومبحوح بيترعش
أصل أنا عملت التحليل يا فاطمة… من وراكي… الأسبوع اللي فات لما شكيت في كلام الرسالة ورجعت للدكتور الق اللي كان متابع معاها… والنتيجة طلعت النهاردة.
صرخت بكل صوتي وحطيت إيدي على بوقي
لأ يا أحمد! والله العكدب! التحاليل غلط! أنت جوزي وأبو ابني! والله ما حد لمسني غيرك! أنت بتصدق ورقة مكتوبة من وحدة مشيت عشان تنتقم مني؟!
قرب مني خطوة، وعيونه كانت بتطق شرار، ومسكني من دراعي بقوة بغباء حسيت إن عظمتي هتتكسر في إيده
كدب؟! التحليل الطبسي من أكبر معمل في البلد كدب؟! كلام الدكاترة اللي أكدوا لي إن جيناتي مستحيل تنتج ولد كدب؟! أنتِ ضحكتِ عليا! لبستيني ولد مش ابني عشان تاخديني منها؟! عشان تقعدي في الشقة وتطردي ست شريفة كانت صايناكي وصايطاني؟!روايات_مشيره_محمد
يا أحمد افهمني! والله العظيم ابتك! يمكن المعمل غلطان! تعالى نعمله تاني في أي حته تانية!
زقني بعيد عنه، ووقعت على الأرض، وصرخ بصوت هز جدران البيت كله
اعمليه مع مين؟! مع الراجل اللي كنتِ بتعرفيه من ورايا؟! ولا مع الشياطين اللي دخلتيهم بيتي؟! أنا بعت دمي وعمري عشان الولد ده! طردت لحمي ودمي… طردت ثلاث بنات مالهمش ذنب في الدنيا عشان أرفع راسي بولد… وفي الآخر يطلع الولد مش ابني؟!
في اللحظة دي، سمعنا صوت عياط سيف ابني الصغير من الأوضة التانية. كان أربع سنين، صحي على صوت الصراخ والزعيق. طلعت أجرى عليه عشان أحضنه، بس أحمد سبقني، وقف عند باب الأوضة ومنعني أعدي.
بص للصبي الصغير اللي كان بيمسح عينيه بايديه الصغيرين وبيقول
بابا… فيه إيه؟ أنت بتزعق لماما ليه؟
أحمد كان واقف بيبص للولد، وشفت في عينيه صراع رهيب بين الحب اللي ربه جوا قلبه أربع سنين، وبين الخيانة والكسرة اللي حاسس بيهم دلوقتي. قطرات الدموع نزلت من عينيه، ووطى على ركبه قدام الولد، وقال بصوت مكسور يقطع القلب
سامحني يا سيف… أنت مالكش ذنب في القرف ده… بس أنا مش باباك.
الولد بص له بعدم فهم
يعني إيه يا بابا؟ أنت بابا أحمد!
أحمد قام وقف فجأة، وبص لي وقال بصوت صلب زي الحديد
قدامك ساعة واحدة بس. تأخدي هدومك والولد ده، وتغوري من وشي. لو شفتك تاني في المنطقة دي كلها، أو فكرتي تقربي من الباب ده، هرفع عليكي قضية زنا وهحبسك، والفضايح هتغرقك أنتِ وأهلك.
أحمد! أرجوك! استهدى بالله! هروح فين الساعة دي بالليل بالولد؟! ما ليش حد! أنت عارف إن أهلي في الصعيد ومش هيقبلوني لو جيت بالمنظر ده!
وأنتِ افتكرتي أهلك دلوقتي؟! زقني في صدري وهو بيصرخ ما افتكرتيش زينب لما كانت جثية تحت رجليكي وتبوس إيديكي وتقول لك أنا يتيمة وما ليش حد هروح فين أنا وبناتي؟! ما افتكرتيش لما سحبتِ إيدك بقسوة وقلتِ لها ده مش شغلي دوري على مكان تاني؟! أديكي بقيتي زيها… بس هي مشيت شريفة ومظلومة، وأنتِ ماشية بفضيحة وخيانة!
سابني ونزل، وقفل الباب وراه برجة هزت الشقة.
قعدت على الأرض أعياط وأصرخ وألطم على وشي. الدنيا دارت بيا في ثانية. العرش اللي بنيته على ظلم ست ثانية انهد فوق دماغي، والولد اللي كنت فاكرة إنه السلاح اللي هملك بيه الدنيا، بقا هو السبب في خرابي وفضيحتي.
لميت هدمتي بالدموع، وإيديا بترتعش، والولد يبكي ومهموم ومش فاهم حاجة. أخدت شنطة الهدوم ومسكت إيد سيف، ونزلت على السلم وأنا حاسة إن خطاي تقيلة زي الجبل. عديت من قدام شقة زينب المقفولة، الشقة اللي كانت مليانة بضحك البنات الصغيرين، ودلوقتي ضلمة ومهجورة زي القبر. تذكرت لحظة ما كانت راكعة تحت رجلي وتبكي، وكأن دعوتها في اللحظة دي فتحت أبواب السما ونزلت عليا جحيم.
خرجت للشارع بالليل، الجو كان برد والظلمة كاحلة. ما كانش معايا غير كام جنيه في شنطتي، وما كنتش عارفة أروح فين. ركبت تاكسي وأنا مش دريانة برحي، وقلت للسواق يوديني محطة القطر. قعدت على الرصيف في المحطة، وحضنت سيف اللي كان بردان وبيموت من الخوف، وكنت بحس بحسرة ما تتعملش.
ومرت الأيام… وأنا عايشة في عذاب ما ينتهيش.
رجعت لبيت أهلي في القرية، بس الفضيحة سبقتني. أحمد ما سكتش، رفع قضية إنكار نسب، والخبر اتنشر بين الناس زي النار في القش. أهلي اتبروا مني، وأبويا طردني من البيت وقالي أنتِ سوّدتي وشنا، مالكيش أكل ولا شرب عندنا، اطلعي بره البيت ده وما ترجعيش تاني.
اضطريت أأجر أوضة صغيرة في العشوائيات على أطراف