انا متزوجه بقى لي 12 سنه

نظرت ريهام إلى المحامي بملامح جامدة خالصة من أي عاطفة قديمة، وقالت بصوت ممتلئ بالقوة واليقين:

“صلح؟ بعد ما طلب مني أسيب ملكي لضرّتي وأروح ضيفة عند أهلي؟ قوله إن الصلح كلمة مسحها من قاموسنا يوم ما فكر يكسر نفسي. القانون هياخد مجراه للآخر، ومفيش تنازل عن مليم واحد من شقايا.”

غادر المحامي لبدء إجراءات جلسة الخلع المحسومة، بينما دخلت ريهام إلى غرفتها وأمسكت بالأوراق القديمة، والتحاليل، والروشتات الطبية التي تراكمت على مدار اثني عشر عاماً، وألقت بها جميعاً في سلة المهملات، ملقية معها آخر أثر لرجل لم يعرف قيمتها.

لكن مدحت، وهو في قاع أزمته، كان يعد العدة لمحاولة أخيرة يائسة؛ محاولة لا تخضع لأحكام المحاكم ولا للشرطة، بل تهدف للوصول إلى ريهام مباشرة وكسر إرادتها في لحظة مواجهة لم تكن تتوقعها.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

كان الليل يخيم بكلكله على المنطقة السكنية الهادئة، وأصوات الحركة في الشارع قد بدأت تتلاشى تدريجياً لفسح المجال لهدوء خادع. في تلك الأثناء، كان مدحت يقف تحت شجرة ضخمة مواجهة لعمارة ريهام، يدخن سيجارته ، والشرر يتطاير من عينيه الناعستين من أثر السهر والإنهاك النفسي. لم يعد مدحت ذلك الرجل الهادئ المنظم الذي عرفته ريهام طوال اثني عشر عاماً؛ فقد تحول خلال أيام قليلة إلى شخص ممزق، تتجاذبه خسارة زوجته وصدمة ضياع عروسه الجديدة “علا”، إخلائه من الشقة أمام الجيران، ناهيك عن الكابوس القانوني.

كانت والدته الحاجة فايزة قد أنهكت جسدها النحيل بالبكاء والعويل في بيت شقيقها، لكنها لم تتوقف عن ضخ السموم في عقله، محرضة إياه على ألا يترك ريهام تتنعم بالشقة وحدها، أيا كانت العواقب. كان عقله المشتت يصور له أن مواجهة واحدة حاسمة وجهاً لوجه مع ريهام، بعيداً عن المحامين وضباط الشرطة وشقيقها، كفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها، أو على الأقل انتزاع تنازل منها تحت وطأة الخوف أو استعطاف الماضي الذي جمعهما.

انتظر مدحت حتى تأكد من مغادرة شقيق ريهام العمارة في ساعة متأخرة، بعد أن طمأن أخته وأحكم إغلاق الأبواب. تسلل مدحت صاعداً درجات السلم بخطوات ثقيلة ومكتومة، متفادياً استخدام المصعد حتى لا يلفت أنظار البواب. وقف أمام باب الشقة التي عاش فيها أجمل وأقسى أيام حياته. وضع يده على المقبض متمنياً لو أن مفتاحه القديم لا يزال يعمل، لكنه تذكر أن ريهام غيّرت كالون الباب بالكامل في نفس يوم استلامها للعين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *