في الترابيزه مليانه لحوم

“في ترابيزة مليانة لحوم وسي فود، حماتي كانت الوحيدة اللي سابتني بطبق فاضي: «الأكل خلص بالنسبة لك». جوزي ما نطقش بكلمة. قمت في سكات ومشيّت. بالليل، لغيت قسط الشقة، والفواتير، ومدفوعات تانية كتير كنت بغطيها لسنين. بعد يومين، جالي اتصال ملهوف… وفولدر كشف مين اللي كان بجد بيغرق العيلة في الديون.”
الجزء الأول
​”ميزانيتك خلصت. لما نخلص، لو فضل حاجة ابقي كليها،” قالتها حماتي وهي بتحط قدامي طبق فاضي تماماً.
​لكم ثانية كده، افتكرت نفسي سمعت غلط.
​سفرة الأكل كانت مليانة من خيرات ربنا: أطقع حتت لحمة، وجمبري بالزبدة والتوم، وجبن مستوردة، وعصاير فريش، وسينية سي فود عملاقة كانت حماتي، صفية، طالباها مخصوص عشان تحتفل بعيد ميلاد مراد ابنها الكبير ومراته المفضلة، شيرين.
​أنا كنت لسه واصلة بعد ما اشتغلت يجي 12 ساعة في مكتبي. أنا اسمي مريم، عندي 37 سنة، ومجوزة من أربع سنين لتامر، أصغر ولاد صفية.
​قعدت جنب جوزي، مستنية على الأقل يسلم عليا. تامر حتى مرفعش عينو يوصلي.
​”تأخرتي ليه؟” دندر وهو بيبقطع حتة لحمة ثانية.
​صفية أخدت أحسن حتة استيك، وحطت عليها معلقة جمبري، وحطت الطبق المليان قدام شيرين على طول. “كلي يا حبيبتي، أنتِ الوحيدة اللي عارفة قيمة العيلة دي وبتبسطيها.”
​شيرين ابتسمت بفخر وكأنها كسبت جائزة. “يا طنط، أنتِ دايماً مأصلة ومغرقاني بجمالك.”
​جوزها أدهم—أخو تامر الكبير—فقع ضحك. “عشان شيرين بنت ناس وعندها ذوق، مش أي حد يعرف يعيش العيشة دي.”
​أنا فضلت ساكتة.
​ولا حد على السفرة دي افتكر إن على مدار التلات سنين اللي فاتوا، الشخص اللي كان بيدفع ثمن “العيشة العالية” دي كله هو أنا.
​قسط شقة صفية في التجمع: 32 ألف جنيه في الشهر. الفواتير والصيانة: حوالي 10 تلاف. كارت الائتمان بتاع تامر اللي كان دايماً متقفل: بين 18 و25 ألف كل شهر.
​لما صفية عملت العملية الجراحية على فجأة، أنا اللي دفعت مستشفى دار الفؤاد. ولما أدهم اتفصل من شغله، أنا اللي سددت أقساط عربيته لمدة شهرين. عملت كل ده عشان تامر كان دايماً بيكرر نفس الجملة: “إحنا أهل يا مريم، وفي يوم من الأيام هيقفوا جنبنا نفس الوقفة.”
​وانا قاعدة بَبُص للبورسلين الفاضي ده، أدركت إن اليوم ده عمره ما هيجي.
​بصيت للطبق الفاضي، وبعدين بصيت لتامر. استنيته يتكلم. يدافع عن مراته. يسأل أمه ليه تصرف آلاف الجنيهات على عزومة فاخرة عشان شيرين، وفي نفس الوقت تعاملني كأني غريبة ومطرودة.
​تامر كمل أكل وعلك في الأكل عادي. “أمي طبيعتها كده،” همسلي وهو رافض يحط عينه في عيني. “متعمليش مشكلة وتكَبّري الموضوع.”
​الهمسة دي وجعتني أكتر من إهانة أمه بكثير.
​قمت وقفت. “تمام.”
​صفية رفعت حاجبها. “هو أنتِ زعلتي بجد ولا إيه؟”
​”لأ،” رديت بمنتهى الهدوء. “أنا بس أخيراً فهمت.”
​أخدت شنطتي. شيرين طلعت ضحكة مكتومة. “ناس معاها فلوس، بس مفيش نقطة ذوق في اللمات الحلوة.”
​بصيت لها لثانية واحدة، مقتش ولا كلمة، ومشيّت. نزلت ركبت عربيتي وطلعت على شقتي في الزمالك—الشقة اللي كنت شرياها من قبل ما أتجوز ومسددة ثمنها بالكامل من شغلي وتعبي.
​ليلتها مدمعتش دمعة واحدة. بدال كده، فتحت أبلكيشن البنك على الموبايل.
​قسط شقة صفية: الدفع التلقائي شغال. فواتير الكهربا والمياه: الدفع التلقائي شغال. كارت تامر: الدفع التلقائي شغال. المصروف الشهري اللي ببعته لأمه: الدفع التلقائي شغال.
​واحد ورا الثاني، لغيت كل الدفعات الدورية دي.
​بعدها كلمت المحاسب بتاعي. “يا أستاذ رفيق، من بكرة الصبح، عايزة ألغي أي مصاريف أو مدفوعات شخصية مربوطة بعيلة تامر.”
​”كلها يا مدام مريم؟”
​بصيت لشاشة التأكيد. “كلها.. ولا مليم يتدفع.”
​بعدها بيومين، الساعة 8:17 الصبح، صفية كلمتني وهي بتصرخ…
الجزء الثاني والأخير
​بعد يومين، الساعة 8:17 الصبح، صفية كلمتني وهي بتصرخ في التليفون:
“يا مريم! البنك بيقول إن قسط الشقة أترد وماتدفعش! حولي الـ 32 ألف جنيه فوراً!”
​شربت بق قهوة بالراحة، ورديت عليها بنفس الجملة اللي قالتها لي:
“معلش يا طنط صفية.. ميزانيتك عندي خلصت.”
​السكوت اللي حصل على الناحية التانية كان راحة نفسية مفيش بعدها.
​بس قطع الفلوس كان مجرد البداية، الصدمة الحقيقية جات لما اكتشفت مين اللي كان بيسرق وينشف دم العيلة دي بجد وهما نازلين فيا تقليل وإهانة.
​”أنتِ عليكِ واجب إنك تساعدي أمي!”، تامر صرخ بالكلمة دي وهو داخل عليا الصالة بليل زي القضاء المستعجل.
​كنت شغال على مكتبي، قفلت اللاب توب بالراحة: “لأ يا تامر.. على مدار 4 سنين أنا اختارت أساعدها، وفي فرق شاسع بين الواجب والاختيار.”
​”قسط الشقة متأخر والعقوبات شغال!”
​”يبقى أنت وعيلتك ادفعوه.”
​تامر شد شعره بايديه بقلة حيلة: “أنتِ عارفة كويس أوي إن مرتبي ما يقضيش ربع المبلغ ده!”
​”شيء غريب والله،” رديت ببرود: “عشان لما أمك أهانتني من ليلتين، عيلتك كان معاها فلوس تغطي عزومة بآلاف الجنيهات عادي جداً.”
​”دي كانت مجرد عزومة عشاء!”
​”وطبقي الفاضي كان ‘مجرد طبق’، صح؟”
​تامر سكت ومطقش بكلمة.
​طلعت فولدر تقيل من درج المكتب—ملف كنت جهزته الصبح مع المحامية وصديقة عمري فريدة—وزقيته على الترابيزة الإزاز:
“لم هدومك واطلع بره.”
​تامر فتح الفولدر، ووشه اتخطف وأصفر: “طلاق؟”
​”أيوة.”
​”عشان حتة عزومة؟”
​”عشان 4 سنين فاكر فيهم إن دور الجوز هو إنه يعيش عالة عليا، ويسيب أهله يعاملوني كأني ماكينة ATM متحركة.”
​تامر حاول يجمد ويتخانق، بس أمن العمارة نزلوه وأخدوه بره.
​رجع لبيت أمه، وهناك بدأت المعمعة الحقيقية. صفية كانت لسه هتفرقع مني وقالت: “إحنا اصلاً مش محتاجين مريم في حاجة، شيرين دايماً بتقولنا استثماراتها ماشية إزاي وبتكسب كام.”
​الكل بص لشيرين، الكنة المفضلة.
​وش شيرين جاب ألوان في ثانية.
​”أصل… الفلوس متجمدة في البورتفوليو الشهر ده،” شيرين تهتت في الكلام.
​أدهم جوزها ضيق عينيه: “متجمدة في إيه بالظبط؟”
​”في… مشروع تجاري كده.”
​”مشروع إيه يا شيرين؟”
​قبل ما تلحق تطلع بأي كذبة، جرس الباب رن.
​ما كانوش بلطجية ولا محصلين ديون، دول كانوا اثنين ممثلين رسميين من شركة تحصيل ومطالبات ومعاهم محضر، شايلين أوراق قانونية بتطالب بقروض شخصية ضخمة صفية بتأكد إنها عمرها ما أخدتها.
​المندوب حط الملف على ترابيزة الصالون: “مدام صفية، محتاجين نتحقق من إمضاء حضرتك على عقود الائتمان دي.”
​صفية قلبت في الورق، وشها بقى زي الميتين. قروض بفوايد عالية توتال بتاعها معدي الـ 800 ألف جنيه، عقود إلكترونية، صور من بطاقتها الشخصية، وتحويلات بين حسابات مربوطة باسمها مباشرة.
​”أنا عمري ما قدمت على القروض دي!” صفية صرخت وهي مش مصدقة.
​الموظف شاور على السجلات الرقمية: “الطلبات دي اتمت ببياناتك الأساسية، ورقمك القومي، وأكواد التأكيد اللي بتوصل على تليفونك.”
​أدهم بص لمراته. شيرين كانت بتهتز وميتة في جلدها.
​”شيرين… أنتِ عملتي إيه؟” أدهم زعق فيها.
​هزت رأسها والدموع نازلة، لحد ما صفية لمحت صورة ملحقة بصفحة إثبات الشخصية.. كانت صورة شيرين وهي بتستلم عقود القروض من فرع الشركة بنفسها.
​”افهمني ده إيه فوراً!” صفية أمرتها وصوتها بيرتعش.
​الست اللي بقالها شهور بتباهى بشنط الماركات، والفسح الفاخرة، والمطاعم الغالية انهارت بالبكاء.
​لا كان عندها استثمارات ولا نيلة. ولا حتى قرش صاغ شايلاد. حتى عربيتها اللي كانت فاكراها ملكها، كانت جايباها بقروض وتزوير. مظاهرها الكدابة كلها كانت متغطية بقروض بفوايد عالية اتفتحت باسم صفية—وده حصل لأن حماتها كانت بتثق فيها جداً ولدرجة إنها سايبالها البريد وأرقامها السرية.
​”أنا بس كنت عايزة أثبتلكم إن أنا كمان أقدر أصرف وأرفع راسكم!” شيرين شهقت وهي بتبكي.
​صفية كانت هتغمى عليها وتقع من طولها. الست اللي كانت بتسبح بحمدها وشايفاها “الكنة المثالية” كانت بتغرقها تحت ديون بظلم وخراب بيوت. وفي نفس الوقت، الست اللي حطت قدامها طبق فاضي، كانت هي اللي بتدفع فواتيرها وحمايتها لسنين.
​بس الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
​تاني يوم الصبح، تامر جالي المكتب وهو مرعوب تماماً: “مريم، أرجوكِ! شيرين دمرت أمي تماماً، أمي الديون نازلة عليها من كل ناحية، لازم تساعديني ننقذ البيت.”
​فريدة المحامية كانت قاعدة معايا، زقت مجموعة أوراق جديدة على المكتب: “قبل ما تطلب من مريم مليم واحد يا تامر، بص على دول الأول.”
​تامر مسكهم: “إيه ده؟”
​فريدة قطعت دراعاتها: “ده معناه إن تزوير شيرين مش هو أكبر مصيبة في عيلتكم.”
​بصيت لجوزي مباشرة: “تامر، على مدار الـ 48 ساعة اللي فاتوا، الفريق القانوني بتاعي راجع كل تحويل خروج من حساباتي على مدار السنتين اللي فاتوا.”
​رفع رأسه بالراحة، والخوف مالي عينيه: “تقصدي إيه؟”
​زقيت قدامه كذا إيصال تحويل بنكي. كانت تحويلات متكررة لحسابات أنا عمري ما وافقت عليها—وكلها تمت من جهاز موبايل متسجل باسمه هو.
​تامر اتسمر في مكانه.
​ولما فريدة حطت كشف الحساب الأخير اللي بيوضح الفلوس دي كانت بتروح فين، الخيانة بقت واضحة ومش محتاجة نقاش.
​”مريم، أنا أقدر أشرحلك…” تامر بدأ يترجى.
​الكلمة دي سمعتها كتير.. الناس دايماً بتقول “أقدر أشرحلك” أول ما يتكشفوا وحبل كذبهم يخلص.
​فريدة شاورت على المعاملات: على مدار 18 شهر، تامر كان بيسحب مبالغ صغيرة من حساب تجاري تبع شغلي. كان بيخلي كل سحبة صغيرة عشان ما تضربش إنذار السرقة في البنك—مرة 4 تلاف، مرة 8 تلاف، وساعات 15 ألف. وكان بيكتب أسباب وهمية: مصاريف صيانة، نظافة، أدوات مكتبية.
​في المجمل، كان سرق أكتر من 250 ألف جنيه من شغلي.
​”أنا ما كنتش شايف إن دي سرقة منك!” تامر تهتت.
​بصيت له بعدم تصديق: “ولما تاخد فلوس من حسابي من غير علمي، تسميها إيه؟”
​”كنت بسند عيلتي!”
​”بفلوسي أنا!”
​”أنتِ مراتي!”
​”بالظبط،” رديت بصوت بارد جداً: “كنت مراتك، مش بنك واخد منه تصريح تسرقه كل ما عيلتك تطمع في زيادة.”
​تامر بدأ يعيط.. ولأول مرة، ما حسيتش بأي شفقة ناحيته. حسيت بتعب وبس.
​”أمي كان عليها مصاريف كتير،” تامر بصوت واطي: “وأدهم كان دايماً مزنوق، ما كنتش عايز يبان إنك أنتِ الوحيدة الناجحة في الجوازة دي.”
​أهو ده بقى.. هي دي الحقيقة.
​هما ما كانوش بس عايزين الفلوس؛ هما كانوا مغلولين ومقهورين إن الفلوس دي جاية مني أنا. محتاجين فلوسي عشان يعيشوا المنظرة، بس كبريائهم المريض مش قادر يتقبل إن الست اللي بيقللوا منها هي اللي شايلاهم.
​عشان كده صفية كانت دايماً بتتفشخر بالعيشة، وأدهم يتنطط بالمطاعم الغالية، وتامر سايب الكل فاكر إنه بيشارك بأكتر من مرتبه العادي بكثير.
​تعبي وشقايا هم اللي كانوا بيمولوا التمثيلية اللي بيستخدموها عشان يحسسوني إن ألم من غير قيمة.
​”والطبق الفاضي؟” سألته بهدوء: “كان جزء من حماية صورة العيلة برضه؟”
​تامر نزل رأسه: “أمي كانت متغاظة منك عشان رفضتي تدفعي لها ثمن السفرية والفسحة الشهر اللي فات.”
​سندت ظهري لورا.. أنا ما كنتش اعرف ده.
​قبلها بجمعتين، صفية طلبت مني 35 ألف جنيه عشان تطلع يصيفوا. رفضت، وشرحت لها إنني لسه ضاخة سيولة في معدات جديدة للشركة.
​يعني العزومة ما كانتش مجرد قسوة عابرة.. دي كانت عقاب.
​صفية كانت عايزة تفهمني إن لو بطلت أدفع، ماليش مكان على السفرة دي. الطبق الفاضي ما كانش مجرد إهانة، ده كان إنذار: تدفعي، يا إما ملَكيش عازة هنا.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *