طليقي ساكن معايا في نفس الشارع
نفس الإنسانة اللي وقفت جنبُه في المول تضحك عليا وتدلع عليه وهو بيمارس عليا غروره، هي نفسها اللي ادت له درس العمر في معنى “الرخص” والأنانية. أم أحمد كملت وهي بتهز رأسها:ـ “الشارع كله عرف باللي حصل، وأمه نازلة شتيمة فيها وفي أهلها، وهو محبوس في بيته من إمبارح مش قادر يخرج ولا يوري وشه لأحد، بعد ما كان ماشي حاطط رأسه في السما.
“طلعت الشقة، قعدت على السرير، وحسيت بمزيج غريب من المشاعر. مكنتش شمتانة، بس كنت حاسة إن ربنا جبر بخاطري، ووراني إن اللي يفتري ويدوس على كرامة حد عشان يرضي كبريائه، ربنا بيسلط عليه اللي يدوس على كبريائه بنفس طريقة التجريح.
بعد الحادثة دي بأسبوعين، كنت نازلة الصبح بدري عشان أروح مشوار تبع شغلي. الشارع كان فاضي والهوا بارد. وأنا ماشية بخطوات سريعة ومرفوعة الراس، سمعت صوت خطوات ورايا.. خطوات مترددة وبطيئة. ما اهتميتش وكملت مشي، لكن الصوت قرب، وسمعت صوته وهو بينادي بصوت خافت، مكتوم، ومبحوح:ـ “أميرة.
.”وقفت مكاني. أخدت نفس هادي، ولفت وشي بالراحة. كان واقف على بعد مترين مني. شكله كان متجعد، عينيه فيها سواد وكسرة مش طبيعية، هدومه مش بنفس الشياكة والاستعراض بتاع زمان، ووشه خالي تمامًا من أي أثر للغرور اللي كان مالي عينيه في المول.
بصل لي بكسرة وقدم خطوة صغيرة وقال بصوت بيترعش:ـ “أميرة.. أنا عارف إن مالياش عين أقف قدامك، ولا أكلمك..”بصلت له بثبات تام، من غير أي انفعال، وسكتت ومردتش عليه، سبته ينطق بكل اللي جواه. بلع ريقه وصوته بدأ يضعف أكتر:ـ “أنا اتقهرت يا أميرة.
. اتقهرت واتفضحت قدام الدنيا كلها. الست اللي فضلتها عليكي وبعت كرامتك عشان أرضي غروري معاها، طلعت أردأ خلق الله، وأخدت كل حاجة ورمتني في السباخ.. أنا شفت بنفسي الفرق بين الأصل الطيب وبين الناس المزيفة.
“دمعة نزلت من عينه، ورفع إيده يحاول يلمس الهدوم أو يقرب، بس رجعها تاني لما شاف نظرة جمودي:ـ “أنا آسف.. والله العظيم آسف على كل كلمة قلتها لك في المول، وعلى كل مرة تجنبتك فيها وحسستك إنك ولا حاجة.
أنا كنت أعمى، وربنا رد لي كل اللي عملته فيكي في أعز ما أملك.. أنا بقيت كل يوم بفتكر وقفتك في الشباك وببكي بدل الدموع دم على النعمة اللي ضيعتها من إيدي.”قرب خطوة كمان وقايل بصوت راجي:ـ “سامحيني يا أميرة..