طليقي ساكن معايا في نفس الشارع
“مشيوا من قدامي، وسابوني واقفة في وسط المول كأني تمثال من ثلج. خطواتهم وهي بتبتعد كانت بتعمل صوت جوة دماغي زي الدق على السندان. مشيوا وهم بيضحكوا، وهو بيميل عليها يهمس لها وهي تضحك، وأنا واقفة مكاني مش عارفة حتى أخد خطوة واحدة لوراء.
الناس اللي كانت معدية بالصدفة بدأت تبص عليا، بعضهم بنظرات استغراب، وبعضهم بشفقة. الشفقة دي بالذات كانت أكتر حاجة بتدبحني. مسحت دموعي بإيد بتترعش بكل قوة فاضلة فيا، وأخدت نفس مكسور بالكامل، ولفت وشي ومشيت ناحية الخروج. كل خطوة كنت بتمشيها ناحية الباب كانت أتقل من اللي قبلها.
كنت حاسة إن الشارع كله بقى خنقة، وإن الهواء مابقاش يكفي صدري. ركبت أول عربية قابلتني ورجعت البيت. طول الطريق كنت بصة من الشباك والمنظر مش راضي يفارق خيالي: إيديه اللي ماسكة إيدها، ضحكته المستخفة، وكلمة “الرخص” اللي سابها علامة في قلبي.
وصلت البيت، طلعت السلم بخطوات ميتة، فتحت الباب ودخلت أوضتي فورًا وقفلت على نفسي قبل ما حد من أهلي يلاحظ النظرة اللي في وشي. انهارت على السرير وبكيت بكاء ما بكيتهوش يوم الطلاق نفسه. بكيت على نفسي، على كرامتي اللي هنتها عشان وهم، على كل دقيقة وقفتها في الشباك أستنى نظرة من إنسان كان بيشوفني ويروح يضحك عليا مع غيري.
وفضلت اليوم ده كله محبوسة في الأوضة، الفجر أذن وأنا لسه صاحية وبصص للسقف. كانت جوايا حرب مش راضية تهدى، بين الوجع الرهيب اللي حاسة بيه، وبين حقيقة جديدة بدأت تتشكل جوة عقلي زي الصخر.. حقيقة إن الحب اللي مالوش كرامة هو أكبر لعنة ممكن الإنسان يبتلي بيها نفسه.
تاني يوم الصبح، أمتي دخلت عليا الأوضة بعد ما لاحظت إني مخرجتش ولا أكلت، بصلتي بقلق وقالت:ـ “مالك يا أميرة؟ وشك أصفر كدة ليه من إمبارح؟”بصلتها وحاولت أجمع أي ابتسامة مزيفة على وشي عشان أطمنها، وقلت بصوت مبحوح:ـ “مفيش يا أمي.
. شوية تعب صغيرين وبقيت كويسة.”لكن الحقيقة إني ما كنتش كويسة خالص. الأيام اللي بعد اليوم ده كانت عبارة عن كابوس متواصل. بقيت بخاف أقف في الشباك، بخاف ألمس الستارة حتى. الشباك اللي كان بالنسبة لي طاقة أمل بقى مصدر رعب وذل.
بقيت أظبط مواعيد نزولي بحيث أضمن تمامًا إن الشارع يكون فاضي تمامًا منه، كنت بأجل أي مشوار أو خروج لمجرد إني خايفة ألمحه أو يلمحني تاني في أي مكان. انعزلت تمامًا عن العالم. أصحابي كانوا بيكلموني مابردش، أهلي كانوا بيحاولوا يخرجوني من الحالة دي وأنا قافلة على نفسي بكل القوة.