وقت العشاء سلفتي
كان عشا العيلة يوم الأحد كالمعتاد. حماتي، نوال، كانت لسه مخلصة توزيع الفراخ المشوية على الأطباق، لما داليا، مرات أخو جوزي، بصتلي بابتسامة مستفزة وقالت
يا منى، إنتِ عندك 42 سنة… في وقت معين الإنسان لازم يتقبل الحقيقة. إنتِ كبرتي خلاص على إنك تبقي أم.
السفرة كلها سكتت فجأة. جوزي أحمد حط الشوكة من إيده وبصلها، وكان واضح إنه هيتكلم، لكن داليا ما ادتلوش حتى فرصة. لفت لحماتي وقالت وهي بتضحك
بس ما تقلقيش يا ماما نوال… أنا هجيب لك الأحفاد اللي إنتِ تستاهليهم. وضحكت.
كريم، أخو جوزي وجوز داليا، كان باين عليه الإحراج جدًا. بصلها، وبعدها بصلي، لكنه ما قالش كلمة واحدة. أما حماتي، فبصتلي بنفس النظرة اللي بقيت حافظاها كويس. نظرة الشفقة. نفس النظرة اللي شفتها في عينيها بعد 3 مرات إجهاض. وبعد محاولتين علاج للإنجاب فشلوا. وبعد سنين من الأسئلة والتلميحات اللي عمري ما طلبت من حد يسألني عنها.
لكن المرة دي، أنا ما اتضايقتش. وما رديتش على داليا. مديت إيدي بهدوء جوه شنطتي، وطلعت ظرف لونه كريمي. حطيته قدامي على السفرة، وبعدها زقّيته ناحية النص. داليا كانت أسرع واحدة تمد إيدها وتاخده قبل حتى ما حماتي تلحق تمسكه. بصتلي بسخرية وقالت
إيه ده؟ فاتورة عيادة جديدة؟ بصيت لها وقلت بهدوء
افتحيه.
ضحكت وهي بتفتح الظرف. لكن ضحكتها اختفت تمامًا أول ما قرت أول ورقة. كانت الورقة عبارة عن حكم تبنّي رسمي موثق من المحكمة. قبلها ب 3 أسابيع، أنا وأحمد كنا أنهينا كل الإجراءات القانونية، وبقينا رسميًا الأب والأم لبنت عندها 7 سنين اسمها ليلى. ليلى كانت عايشة معانا بالفعل بقالها 14 شهر تحت رعايتنا. لكن إحنا قررنا نخلي جلسة المحكمة الأخيرة خاصة جدًا، وما نقولش للعيلة حاجة لحد ما كل الإجراءات تخلص. مش لأننا كنا بنستخبى. لكن لأن ليلى كانت فقدت عيلة قبل كده. وإحنا ما كناش عايزين أهلنا يحولوا أهم لحظة في حياتها لخبر يتقال على السفرة، أو مناسبة كل واحد يدخل فيها برأيه وأسئلته. ليلى بالنسبة لنا ما كانتش إعلان. كانت بنتنا. وأخيرًا… بقت بنتنا رسميًا.
حماتي نوال أول ما فهمت المكتوب، حطت إيدها على بقها من الصدمة. أحمد مد إيده من تحت السفرة ومسك إيدي. أما داليا… فكانت لسه ماسكة الورق. قلبت الصفحة الأولى بسرعة، ووصلت للورقة التانية. وهنا… لون وشها اتغير. بقت شاحبة بشكل واضح. لأن الورقة التانية ما كانش ليها علاقة بالتبنّي. دي كانت كشوف حسابات خاصة بصندوق ائتماني كان عاملُه حمايا الله يرحمه قبل وفاته.
حمايا كان حاطط في الصندوق بند واضح جدًا أي حفيد يتم الاعتراف بيه قانونيًا كواحد من أحفاده، يبقى من حقه الاستفادة من الصندوق في مصاريف التعليم والعلاج والرعاية الطبية. وأول ما تبنّي ليلى بقى رسمي… المحامي المسؤول عن الصندوق بقى ملزم قانونيًا إنه يبعت لنا كشف حساب كامل بكل حركة حصلت في الصندوق. وده بالظبط اللي حصل. الكشف وصل لنا. ولما راجعناه… اكتشفنا حاجة محدش كان متوقعها. خلال آخر 18 شهر، اتسحب من الصندوق مبلغ إجمالي قدره 386 ألف دولار. وكل المبالغ كانت متسجلة تحت بند مصاريف مستقبلية للأحفاد. لكن المشكلة إن ما كانش فيه أحفاد أصلًا وقت ما الفلوس دي اتسحبت. والصدمة الأكبر؟ الفلوس كلها تقريبًا راحت لشركة واحدة. شركة مملوكة ل… داليا.
داليا فضلت باصة في الورقة كأنها مش مصدقة إن المستند ده وصل لإيدينا. وفجأة رفعت عينيها وبصت لجوزها كريم وقالت
إنت قلتلي إن محدش يقدر يشوف السجلات دي! الجملة خرجت منها من غير ما تفكر. وفي اللحظة اللي قالتها… عرفت إنها وقعت نفسها.
حماتي قامت تقريبًا من مكانها بعنف، والكرسي احتك بالأرض بصوت عالي. بصت لكريم، وبعدها لداليا وقالت
سجلات إيه؟! داليا اتلخبطت
أنا… قصدي… لكن أنا ما سبتلهاش فرصة تألف إجابة. طلعت موبايلي من جنبي وحطيته على السفرة جنب الظرف. المكالمة كانت مفتوحة. ومحامي الصندوق، الأستاذ شريف منصور، كان سامع كل حاجة على السماعة الخارجية. وفجأة صوته طلع من الموبايل
مدام داليا، البنك وقف تحويل جديد كان المفروض يتم النهارده بعد الضهر. وإحنا محتاجين تفسير واضح للفواتير الطبية المزورة، وكمان المدفوعات اللي اتسجلت على إنها تكاليف تجهيز وبناء غرفة أطفال.
داليا قامت من مكانها بسرعة لدرجة إن إيدها خبطت في كوباية النبيذ اللي قدامها. الكوباية وقعت على الأرض واتكسرت. صرخت
دي كانت سُلف! محدش رد. فكملت بعصبية
الفلوس دي في الآخر كانت هتروح لأولادي لما أخلف! أحمد بص لها وقال ببرود
بس إنتِ معندكيش أولاد. ردت بعصبية
دي مش النقطة! صوت الأستاذ شريف جه من الموبايل
لأ يا مدام داليا… دي هي النقطة بالظبط.
كريم كان قاعد مكانه كأنه مش فاهم أي حاجة. بص لمراته وقال
إنتِ قولتيلي إن أبوكي هو اللي دفع فلوس التجديدات اللي عملناها في البيت. داليا ما ردتش. رجعت خطوة لورا. وبقت تبص مرة على أوراق التبنّي… ومرة على حماتي… ومرة على كريم… وفي الآخر بصتلي أنا. وقالت بصوت واطي
إنتِ خططتي لكل ده. بصيت لها بهدوء. وقلت
لأ. وسكت لحظة قبل ما أكمل
أنا بقيت أم… والحقيقة هي اللي وصلتلي مع الورق.
ماحدش اتكلم. حماتي كانت لسه واقفة مكانها، وكريم عينيه ما فارقتش مراته. وداليا كانت ماسكة الظرف بإيد بتترعش. وفجأة… جرس الباب رن. كلنا بصينا ناحية الباب. وداليا اتجمدت مكانها. وفي نفس اللحظة، صوت الأستاذ شريف خرج من الموبايل مرة تانية
غالبًا ده محقق البنك. وسكت ثانية، وبعدين قال بجدية
من فضلكم… ما تسمحوش لمدام داليا إنها تمشي من البيت ومعاها الظرف.
داليا بصت ناحية الباب. وبعدين بصتلي. واللون اختفى تمامًا من وشها. لأنها في اللحظة دي فهمت إن اللي حصل على السفرة… ماكانش نهاية الفضيحة. ده كان بدايتها.
جرس الباب رن للمرة التانية. ولا واحد فينا اتحرك. داليا كانت واقفة جنب السفرة، وشها أبيض، وعينيها مثبتة على باب الشقة. أما كريم، فكان باصص لمراته كأنه شايف واحدة تانية لأول مرة في حياته. حماتي نوال قالت بصوت مهزوز
حد يفهمني… إيه اللي بيحصل هنا؟
صوت الأستاذ شريف، مح المحامي، خرج من الموبايل
يا مدام نوال، الأفضل إن حضرتك تسمعي كل حاجة بنفسك، لأن للأسف الموضوع أكبر من مجرد تحويل فلوس من غير وجه حق. داليا لفت ناحية الموبايل بسرعة
اقفل المكالمة دي يا أحمد! جوزي بص لها باستغراب
ليه؟
دي مكالمة خاصة، ومحدش له حق يسجلني! رد الأستاذ شريف فورًا
محدش قال إن المكالمة بتتسجل يا مدام داليا. سكتت. والجملة لوحدها خلت التوتر يزيد أكتر.
جرس الباب رن للمرة التالتة. أحمد قام. داليا اتحركت بسرعة ووقفت قدامه
استنى! أحمد وقف وبصلها. قالت وهي بتحاول تسيطر على صوتها
إحنا عيلة… نحل الموضوع بينا. مش لازم ندخل ناس غريبة. حماتي نوال بصت لها بصدمة
ناس غريبة إيه؟ إنتِ واخدة 386 ألف دولار من فلوس أبو أحمد وعايزانا نقعد نحلها عائلي؟! داليا ردت بسرعة
أنا ما سرقتش حاجة! كريم خبط بإيده على السفرة. أول مرة أشوفه منفعل بالشكل ده
أمال الفلوس راحت فين يا داليا؟! بصت له
قلتلك… كانت سُلف.
مين وافق عليها؟