سلفتي مش بتحب السمك
طارق مسك إيدي بلهفة قدامهم كلهم، وصوته كان مكسور: لأ يا إيمان، متقوليش كده، والله العظيم ما هسمح لمخلوق يقرب منك تاني، ولا حد هيدخل شقتك ولا يطلب منك مليم ولا خدمة، انتي ست البيت ده وتاج راسي، وأنا اللي هردلك اعتبارك قدام الكل.
يوسف كان واقف مش طايق يقعد ثانية واحدة، مسك سارة من دراعها وشدها من على الأرض بقسوة وقال لها بصوت صارم: قسماً بالله العظيم يا سارة، هدومك في شنطتك دلوقتي حالا، وعلى بيت أمك اللي خططتلك، ورجوعك ليا بعد اللي عملتيه ده فيه شك كبير، عشان اللي تتاجر بضنى ميت وتستحل كرامة الناس، متبقاش أم لعيالي أبدًا!
سارة خرجت وراه وهي بتصرخ وتترجاه، صوت عياطها كان مالي العمارة كلها، بس المرة دي مكنش دموع تمثيل، كان دموع الفضيحة والحسرة على اللي ضيعته بإيدها. حماتي قامت ببطء شديد، مكسورة ومحنية الضهر، خرجت من الشقة من غير ما تنطق ولا كلمة واحدة، حتى عكازها مكنش قادر يشيلها. قفلت باب الشقة وراهم كلهم. الصالة رجعت هادية تمامًا، مفيش غير صوت أنفاسي وأنفاس طارق اللي كان واقف باصص لي وعينيه كلها ندم.
طارق جه قعد جمبي على الكنبة، وطى راسه وحط إيده بين رجليه وقال: أنا استاهل أي حاجة تقوليها، عميت عيني عن الحق عشان أريح دماغي، وصدقت من غير ما أفكر. حقك عليا يا أم ولادي، واللي تطلبيه عشان ترتاحي أنا هنفذه، حتى لو عايزانا نعزل من البيت ده كله وناخد شقة برة بعيد عنهم، أنا جاهز.
بصيت له شوية، وشوفت في عينيه صدق الندم لأول مرة من سنين. قولتله بهدوء: إحنا مش هنعزل يا طارق، ولا هنهرب. أنا مكسرتش حاجة عشان أهرب، بيتي ده ملكي وبشقى عمرك، واللي غلط هو اللي يخجل ويستخبى. بس من النهاردة، فيه خطوط حمرا مفيش مخلوق يتعداها. لا أمك تحددلي أطبخ إيه ولا أعمل إيه في بيتي، ولا سلفتك تلمح خيالي، وانت… كلمتك معايا تبقى بحساب، وأي حاجة تخص أهلك تخصك انت لوحدك، أنا شيلت إيدي من أي التزام يخصهم.
طارق هز راسه بموافقة تامة: اللي تشوفيه يا إيمان، وعهد عليا قدام ربنا مش هيتكرر الكلام ده تاني أبدًا. عدت الأيام، والعمارة اتغيرت تمامًا. سارة فضلت عند أمها أكتر من شهرين، يوسف مكنش راضي يرجعها، ومحدش كان قادر يفتح بقه معاه لأن الفضيحة كانت طالتهم كلهم، وفي الآخر رجعت بشروط مذلة، بقت تدخل وتخرج من غير ما تبص في وش حد، راسها في الأرض، وصوتها ملهوش أي أثر. حماتي عرفت إن كلمتها مابقتش تمشي عليا، وبقت تعاملني بحذر واحترام مبالغ فيه، خايفة من الكلمة ومتحاشية أي احتكاك.