بعد خمس سنين من الطلاق
مراد فضل واقف قدامي، وعينيه مثبتة على البنات التلاتة.
وبعدين سأل السؤال اللي كنت مستنياه من خمس سنين.
قال بصوت مبحوح
دول… بناتي؟
بصيت له فترة طويلة.
كنت أقدر أقول له الحقيقة في ثانية.
كنت أقدر أقول
أيوه.
وأسيبه يعيش الصدمة.
لكن خمس سنين من الغياب كانت أطول من إنها تنتهي بكلمة واحدة.
بصيت لسارة وهي متعلقة فيا.
وبعدين ملك اللي كانت ماسكة إيدي.
ويارا اللي كانت بتبص لمراد بفضول.
ورجعت بصيت له.
قلت بهدوء
أيوه يا مراد.
اتنفس كأنه كان حابس نفسه من سنين.
قرب خطوة.
التلاتة؟
التلاتة.
سأل بسرعة
سارة… ملك… يارا؟
هزيت راسي.
بناتك التلاتة.
مراد حط إيده على وشه.
فضل ساكت.
لأول مرة أشوف الرجل اللي كان دايمًا عنده إجابة لكل حاجة، واقف عاجز عن الكلام.
قرب من البنات، لكنه وقف على مسافة.
واضح إنه مش عارف يعمل إيه.
مد إيده ناحية سارة، وبعدين رجعها.
سارة بصت له وسألتني
ماما… مين ده؟
السؤال نزل عليه كأنه ضربة.
مراد بصلي.
أنا جاوبت
ده… بابا.
البنات التلاتة بصوا لبعض.
سارة سألت
بابا بتاعنا؟
مراد غمض عينيه.
وشه اتشد من الوجع.
قلت
أيوه.
يارا الصغيرة قربت منه خطوتين.
وقفت قدامه.
بصت في عينيه وقالت بكل براءة
إنت طويل أوي.
لأول مرة، ابتسم مراد.
ابتسامة صغيرة جدًا، مكسورة.
وقال
وإنتِ صغيرة أوي.
يارا ضحكت.
ملك قالت
ماما قالت لنا إن بابا كان مشغول.
مراد رفع عينه عليّا.
سألني
إنتِ قلتي لهم إيه عني؟
قلت
الحقيقة اللي تناسب سنهم.
يعني إيه؟
قلت لهم إن بابا كان بعيد.
سكت.
سارة سألت
هترجع معانا؟
مراد اتجمد.
بصلي.
أنا ماردتش.
هو قال
لو مامتكم موافقة.
رفعت حاجبي.
مامتكم؟
قال بسرعة
بناتي.
هزيت راسي.
طبعًا بناتك.
لكن ماكانش قصدي أدي له أي وعد.
ركبنا العربية.
أنا والبنات في الخلف.
ومراد ركب قدام.
طوال الطريق، ماحدش اتكلم.
لحد ما سارة كسرت الصمت
بابا، إنت بتحب العربيات؟
مراد لف لها من المراية.
بحب العربيات جدًا.
قالت
دي عربيتك؟
أيوه.
غالية؟
ضحك رغمًا عنه.
شوية.
ملك تدخلت
ماما قالت لنا إن الفلوس مش أهم حاجة.
بصلي من المراية.
أمك قالت صح.
ولأول مرة من سنين…
حسيت إن مراد بيتكلم معايا من غير غرور.
بعد حوالي نصف ساعة، وصلنا للبيت.
كان بيت كبير في منطقة هادية.
أول ما دخلنا، البنات جريوا ناحية أوضتهم.
مراد وقف في الصالة.
كان واضح إنه مش عارف يقعد ولا يمشي.
بص للصور المعلقة على الحائط.
صور البنات.
أول يوم مدرسة.
أول عيد ميلاد.
أول رحلة.
أول مرة ركبوا عجلة.
أول رسمة.
أول ميدالية.
ثلاث بنات كبروا قدامه…
وهو ماكانش موجود.
وقف قدام صورة ليهم وهم عندهم حوالي سنتين.
مد إيده ولمس إطار الصورة.
وقال
أنا ضيعت كل ده؟
رديت
إنت اللي اخترت تمشي.
لف لي.
أنا مكنتش أعرف.
قلت
كان ممكن تعرف.
سكت.
إزاي؟
بصيت له.
يوم ما اتهمتني، حاولت أشرح لك.
خفض عينه.
فاكر.
لأ، إنت مش فاكر.
سكت.
دخلت الصالة ووقفت قدامه.
إنت فاكر إنك سألت وأنا مخبيّة عنك حاجة.
لكن الحقيقة إنك مديتنيش فرصة أتكلم.
يومها كان معايا صورة السونار.
وكان فيها التلاتة.
كنت عايزة أفاجئك.
مراد بلع ريقه.
ليه الرسائل كانت سرية؟
لأن الحمل كان خطر.
والدكتور؟
كان بيتابع حالتي.
وليه مكنتيش قولتي لي؟
ضحكت بسخرية هادية.
كنت ناوية أقول لك في ذكرى جوازنا.
سكت.
وبعدين سأل
وإنتِ… كنتِ متأكدة إنهم هيكملوا؟
بصيت له.
مكنتش متأكدة من أي حاجة.
والحمل؟
كان أصعب فترة في حياتي.
مراد قرب.
وإنتِ كنتِ لوحدك؟
هزيت راسي.
لأ.
اتنفس براحة.
ثم سأل
مين كان معاكي؟
قلت
أمي.
وقف مكانه.
والدكتورة.
وبعدين أضفت
وصاحبتي نهى كانت بتساعدني مع البنات.
مراد سكت.
واضح إنه كان بيتمنى لو الزمن يرجع.
لكن الزمن مابيرجعش.
فجأة سمعنا صوت يارا
مامااا!
جرينا ناحية السلم.
كانت يارا نازلة بسرعة، ورجليها اتزحلقت.
مراد سبقني.
لحقها قبل ما تقع.
شالها بين إيديه.
يارا ضحكت.
لحقتني!
مراد ضحك.
طبعًا.
فضل شايلها.
بص لها كأنه بيحاول يحفظ تفاصيل وشها.
سألها
بتحبي إيه؟
قالت
الرسم.
وأنا كمان كنت بحب أرسم وأنا صغير.
يارا حطت إيدها على خده.
عندك نفس غمازتي؟
مراد ضحك.
لا، إنتِ عندك غمازتي.
بصيت له من بعيد.
كان المشهد مؤلم.
لأن كان ممكن يكون عادي جدًا.
أب شايل بنته.
لكن بالنسبة لنا…
كان متأخر خمس سنين.
في اليوم ده، مراد ماخرجش من البيت.
قعد مع البنات.
لعب معاهم.
سمع حكايات المدرسة.
عرف مين بتحب الفراولة.
ومين بتخاف من الكلاب.
ومين بتحب الرسم.
ومين بتكره اللبن.
وكان كل شوية يبصلي.
كأنه بيسألني بعينيه
إزاي فاتني كل ده؟
لكن أنا ماجاوبتش.
بالليل، بعد ما البنات ناموا، لقيته واقف في المطبخ.
كان بيشرب مياه.
قال
ليلى.
نعم؟
أنا عايز أعمل تحليل DNA.
بصيت له.
اعمله.
اتوتر.
مش علشان أشك فيك.
قلت
أنا عارفة.
أنا بس… محتاج أشوف النتيجة.
شوفها.
في اليوم التالي، عمل التحليل.
وخرجت النتيجة بعد أيام.
كنت في مكتبي لما مراد دخل.
في إيده ظرف.
حطه قدامي.
النتيجة.
فتحتها.
لكن قبل ما أبص، قال
التلاتة بناتي.
رفعت عيني له.
أنا عارفة.
أنا كمان عرفت.
سكت شوية.
وبعدين قال
بس في حاجة تانية.
إيه؟
طلع موبايله.
فتح صورة قديمة.
صورة للرسائل اللي شافها من خمس سنين.
وبصلي.
رجعت قريتها.
قلبي انقبض.
قال
في حاجة وقتها أنا ملاحظتهاش.
إيه؟
الرسائل كانت كلها من رقم الدكتور.
أيوه.
لكن في رسالة واحدة…
فتحها.
الرسالة دي مش من الدكتور.
بصيت للشاشة.
كانت رسالة بتقول
لازم تفضلي مخبية الموضوع عن مراد لحد ما نطمن على الحمل.
تجمدت.
أنا عمري ما شفت الرسالة دي.
قلت
الرسالة دي مش مني.
مراد قال
عارف.
ومش من الدكتور.
عارف.
إنت لقيتها في موبايلي؟
أيوه.
بصيت له.
إزاي؟
قال
لأن حد بعتها من رقم مجهول وقتها.
سكتنا.
بدأنا نفتكر.
مين كان يعرف بالحمل؟
الدكتورة.
أمي.
نهى.
ومراد.
لكن مراد وقتها ماكانش يعرف إن الحمل في 3 توائم.
ولا حتى إن الحمل كان خطر.
فمين كان عايز يخليني أبان كأني بخبي عليه حاجة؟
بدأنا ندور.
مراد استخدم كل علاقاته وخبرته.
رجع لملفات الشركة.
رجع لرسائل قديمة.
وسأل عن الموظفين اللي كان عندهم وصول لموبايلي وقتها.
وبعد أيام…
وصلنا للحقيقة.
كان فيه شخص اسمه كمال.
مدير قديم في شركة مراد.
كمال كان