دخلت هنا ازاي
ليه؟
عم صبري بص للصفحة في إيدها، وقال
لأن والدك كان شاكك إن في حد ناوي يعمل حاجة خطيرة يوم ولادتك.
مريم حسّت إن الأرض بتتحرك تحت رجليها.
يعمل إيه؟
لكن عم صبري ما ردش.
بدل كده مد إيده ناحية أحمد وقال
هات المفتاح التاني.
أحمد اتردد.
ليه؟
لأن الصفحة اللي معاكي مش كاملة.
مريم بصت للورقة بسرعة.
فعلاً
كان آخر سطر مقطوع من النص، وكأن جزءًا من الصفحة اتقص بعناية.
عم صبري قال
والجزء اللي ناقص هو أهم جزء.
مريم سألته بصوت مخنوق
مين الشخص اللي كان في غرفة الولادة؟
عم صبري قرب منها، وخفض صوته
مش هقولك اسمه إلا لما أشوف إنك مستعدة تعرفي ليه والدك أخفى الحقيقة عنك كل السنين دي.
وفجأة
صدر صوت من جيب عم صبري.
تليفونه كان بيرن.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
مريم لاحظت التغيير.
مين؟
عم صبري قفل المكالمة فورًا.
لكن قبل ما يحط الموبايل في جيبه، مريم لمحت الاسم على الشاشة.
محمود.
اسم والدها.
مريم اتجمدت.
إزاي اسم بابا بيتصل بيك؟
عم صبري ما ردش.
وأحمد قرب منه وقال
والد مريم مات من سبع سنين.
عم صبري بص لهم، وبعد لحظة قال جملة خلت التلاتة يسكتوا تمامًا
أنا عارف عشان كده أنا مرعوب من المكالمة دي.
وفي نفس اللحظة
تليفون مريم نفسه اهتز.
رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
وكان مكتوب
لو عايزة تعرفي مين كان واقف جنب سريرك يوم ولادتك اسألي الشخص اللي رباكي عن سبب تغيير اسمك في شهادة الميلاد.
مريم رفعت عينيها ببطء.
لأول مرة
بدأت تشك إن السر مش متعلق بوفاة والدها بس.
السر كان متعلق بيها هي من يوم ما اتولدت وقفت مريم مكانها، وبصّت للرجل قدامها وهي مش قادرة تستوعب اللي شايفاه.
الصفحة المفقودة من ملف ولادتها كانت في إيده.
أحمد اتحرك خطوة ناحيته وقال بصوت متوتر
إنت كنت في المستشفى يوم ما مريم اتولدت؟
الرجل ما ردش فورًا.
فضل ساكت، وعينيه على مريم، وكأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
مريم قربت منه وقالت
إديني الصفحة.
مد إيده بالورقة، لكن قبل ما تلمسها قال
قبل ما تقريها، لازم تعرفي حاجة اللي مكتوب فيها ممكن يغيّر كل حاجة فاكرة إنها حقيقة عن يوم ولادتك.
إيد مريم بدأت ترتعش.
أنا مش خايفة من الحقيقة.
بصلها بحزن وقال
الحقيقة مش دايمًا بتكون أرحم من الكذبة.
خدت الورقة بسرعة.
كان أول سطر مكتوب بخط الدكتور
تم تسجيل ولادة الطفلة مريم في الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة صباحًا…
لكن تحت السطر كان فيه تعديل بالقلم الأحمر.
مريم قربت الورقة من النور.
التعديل كان بيقول إن وقت الولادة الأصلي تم تغييره رسميًا بعد ساعات قليلة.
شهقت
ليه؟
الرجل رد
لأن في حاجة حصلت في غرفة الولادة.
أحمد سأله
إيه اللي حصل؟
الرجل بص له للحظات، وبعدها قال
في شخص دخل الغرفة بعد ولادة مريم بدقايق وكان المفروض ما يدخلهاش أصلًا.
مريم قلبت الصفحة.
في آخرها كان فيه توقيع والدها.
وتحته جملة قصيرة
أنا عرفت مين دخل الغرفة لكني ما قدرتش أواجهه وقتها.
قلبها بدأ يدق بعنف.
بابا كان عارف؟
الرجل هز راسه.
وكان عارف إن الشخص ده قريب منك جدًا.
فجأة سمعوا صوت خبطة قوية فوقهم.
اتجمدوا كلهم.
أحمد بص ناحية السلم.
إحنا مش لوحدنا.
وبعد ثواني، سمعوا صوت خطوات بطيئة بتنزل على السلم.
خطوة
وخطوة
وخطوة
مريم قبضت على الملف، بينما أحمد وقف قدامها يحاول يحميها.
لكن الرجل العجوز ما اتحركش.
بالعكس
ابتسم ابتسامة غريبة وقال
كنت عارف إنه هييجي.
مريم همست
مين؟
وقبل ما يرد، ظهر ظل شخص عند آخر السلم.
ومريم أول ما شافت ملامحه
اتسمرت مكانها.
لأن الشخص اللي نزل قدامهم كان آخر إنسان في الدنيا تتوقع تشوفه هنا مريم فضلت ماسكة الموبايل، وعينيها ثابتة على الرسالة.
تغيير اسمي في شهادة الميلاد؟! أنا اسمي مريم من يوم ما وعيت على الدنيا!
عم صبري قرب منها وقال بهدوء
ده اللي اتقالك.
مريم بصت له بعصبية
وأنا عايزة الحقيقة، مش اللي اتقال لي!
أحمد مد إيده للرسالة
وريني.
قرأها، وبعدين رفع عينه لعم صبري.
إحنا لازم نعرف مين الشخص اللي رباها.
مريم بصت لأحمد باستغراب
تقصد بابا؟
أحمد هز راسه
أيوه بس الرسالة قالت الشخص اللي رباكي، مش والدك.
الجملة وقعت على مريم كأنها صدمة.
سكتت تمامًا.
عم صبري حط إيده على جبينه وقال
والدك كان بيحاول يحميكي من الحقيقة دي.
يحميّني من إيه؟
من شخص كان مستعد يعمل أي حاجة عشان السر يفضل مستخبي.
فجأة أحمد لاحظ حاجة في الصفحة.
استنوا هنا في رقم.
قرب الورقة من النور.
كان مكتوب في الهامش بخط صغير جدًا
17 03 2009
مريم عقدت حواجبها.
ده تاريخ ولادتي.
عم صبري بص لأحمد، وكأن الرقم فكره بحاجة.
مش بس تاريخ ولادتك.
يعني إيه؟
طلع من جيبه ورقة قديمة مطوية، وفتحها قدامهم.
كانت إيصالًا من المستشفى.
وعليه نفس التاريخ
لكن اسم المريض كان مختلف.
أحمد صبري.
أحمد اتجمد.
ده اسمي.
عم صبري قال
لأ ده مش اسمك وقتها.
مريم بصت له.
إنت بتقول إيه؟
الرجل أخذ نفسًا عميقًا وقال
في يوم ولادتك، حصلت واقعة تانية في نفس المستشفى ووالدك كان موجود فيها.
أحمد مسك الورقة بإيد مرتعشة.
إيه علاقة ده بيا؟
قبل ما عم صبري يرد
سمعوا صوت باب الحديد بيتفتح فوقهم.
وبعدها صوت خطوات.
لكن المرة دي
الخطوات كانت سريعة.
عم صبري خطف الورقة من إيد أحمد وقال
اطفوا النور فورًا.
مريم همست
مين اللي جاي؟
رد بصوت منخفض
الشخص اللي كنا خايفين إنه يعرف إنكم وصلتوا للحقيقة.
الخطوات قربت من باب القبو.
ثم سمعوا صوت مفتاح بيلف في القفل.
مريم بصت لأحمد.
وأحمد بص لعم صبري.
وفجأة
اتفتح الباب.
لكن الشخص اللي ظهر عند المدخل ما دخلش.
بس حط ظرف أبيض على الأرض، وقال
دي آخر فرصة ليكم.
وبعدين اختفى.
أحمد جري ناحية الباب، لكن مريم مسكته
استنى!
فتحت الظرف.
جواه صورة قديمة جدًا.
أول ما شافتها
وقعت الصورة من إيدها.
لأن الصورة كانت لمريم وهي رضيعة
لكن المفاجأة مش في الصورة.
المفاجأة كانت في الشخص اللي واقف جنب سريرها
وكان الشخص ده لابس نفس الخاتم اللي عم صبري لابسه في إيده دلوقتي مريم فضلت واقفة مكانها، وعينيها على الصورة.
ده عم صبري؟
عم صبري ما أنكرش.
بس قال بهدوء
أيوه.
إنت كنت واقف جنب سريري يوم ما اتولدت؟
كنت.
وبابا كان عارف؟
كان عارف كل حاجة.
مريم بدأت تبكي من الصدمة
طب ليه خبيتوا عليّا؟ وليه كل السنين دي وأنا فاكرة إن بابا مات في حادثة؟
عم صبري قرب منها وقال
لأن حادثة والدك ما كانتش حادثة عادية.
أحمد سأله
مين كان السبب؟
عم صبري سكت طويلًا، وبعدين طلع من جيبه ورقة صغيرة.
والدك كتب اسمه هنا قبل ما يموت.
مريم خطفت الورقة.
لكن أول ما قرأت الاسم، شهقت.
كان اسم شخص من أقرب الناس ليها.
الشخص اللي كانت بتثق فيه من غير أي شك.
الشخص اللي كان موجود جنب عيلتها في أصعب أوقاتهم.
مريم قالت وهي مش مصدقة
مستحيل ده عمره ما كان ممكن يعمل كده.
عم صبري رد
والدك قال نفس الجملة في الأول.
أحمد بص له
وبعدين؟
وبعدين اكتشف إن الشخص ده كان بيغير المستندات، وبيخفي معلومات عن عيلتكم، وبيحاول يوصل لحاجة والد مريم كان مخبيها.
مريم سألت
إيه الحاجة دي؟
عم صبري ابتسم بحزن.
مفتاح المخزن 17 ما كانش مفتاح المخزن الوحيد.
أحمد اتجمد.
يعني فيه مفتاح تاني؟
أيوه ووالد مريم خبّاه في المكان الوحيد اللي محدش كان هيفكر يدور فيه.
مريم بصت له
فين؟
عم صبري أشار للصورة القديمة.
في الصورة دي.
مريم قربت الصورة من عينيها.
كان والدها واقف جنب سريرها، وفي الخلفية ساعة حائط قديمة.
والساعة كانت واقفة عند
317
مريم فجأة افتكرت حاجة.
الساعة دي كانت موجودة في بيتنا القديم.
أحمد قال
يبقى لازم نرجع هناك.
لكن عم صبري مسكه من ذراعه.
مش دلوقتي.
ليه؟
بص له بجدية
لأن الشخص اللي بيطاردنا عارف إننا عرفنا الحقيقة.
وفي نفس اللحظة، موبايل مريم رن.
رقم مجهول.
ردت وهي مترددة.
جالها صوت والدها
نفس صوته اللي سمعته في التسجيلات.
لكن المرة دي كان الصوت مباشرًا.
مريم لو سمعتي الرسالة دي، يبقى أنا ما قدرتش أرجعلك.
مريم انهارت في البكاء.
الصوت تابع
أنا آسف إني خبيت عنك الحقيقة بس كنت عايز أحميكي.
ثم سكت ثواني، وقال
وأهم حاجة ما تثقيش في أي شخص هيقولك إن أحمد هو السبب.
مريم بصت لأحمد.
ثم جاء آخر سطر
لأن أحمد هو الشخص الوحيد اللي كان أبوك واثق إنه هيكمل اللي أنا بدأته.
وانقطع التسجيل.
عم صبري بص لمريم وقال
دلوقتي فهمتي ليه والدك كان مستني أحمد يظهر؟
مريم مسحت دموعها.
فهمت.
ثم نظرت إلى الصورة مرة أخيرة.
بس لسه في سؤال واحد.
إيه؟
رفعت عينيها وقالت
ليه الشخص اللي بابا كان خايف منه لسه لحد النهارده قريب مني؟
عم صبري ما ردش.
لأنه كان عارف الإجابة.
لكن المرة دي
مريم نفسها كانت هتواجه الحقيقة، من غير ما حد يحميها منها.
وفي اليوم التالي، فتحت مريم باب بيتها القديم لأول مرة من سبع سنين
ولقت الساعة 317 لسه واقفة مكانها.
وتحتها مباشرة
كان فيه ظرف مكتوب عليه بخط والدها
لبنتي مريم آخر سر.