انهيت المكالمة

أنهيتُ المكالمة مع والدة زوجي ونسيتُ إغلاق الخط، وكانت هذه أفضل غلطة ارتكبتُها في حياتي.

 

ضعتُ كوب المشروب الدافئ على الطاولة الزجاجية، وأسندتُ ظهري إلى المقعد. المكالمات مع حماتي أمينة كانت تترك في نفسي انقباضًا خانقًا، رغم أنها تتحدث دائمًا بلطف ورقة بالغة. حتى وهي تطلب مني المال للمرة التي لا أعلم عددها، كانت تستسمحني بتودد كالعادة، متعللة بعلاج مفصلها المكلف ومعاشها المحدود.

 

منذ ثلاثة أشهر تقريبًا، جلست معي ودموعها تسيل، مؤكدة أن الأطباء حذروها من شلل مفاصلها إن لم تحصل على علاج خاص باهظ الثمن. ولم أتردد لحظة؛ فالخمسون ألف جنيه شهريًا لم تكن رقمًا عائقًا بالنسبة لشركتي، وصحة امرأة مسنة تُعد أهم من أي مال. وودعتها حينها بكلمات طيبة مفادها أننا أصبحنا عائلة واحدة، لترد عليّ بدعوات حارة وشكر لا ينتهي على طيب أصلي.

 

كان لدي عمل كثير ينتظرني، فشركتي المتخصصة في الأزياء النسائية كانت تتطلب متابعة مستمرة، ولا سيما مع استعدادي لإطلاق المجموعة الجديدة واجتماعي المرتقب مع أحد المستثمرين. رغم سنوات عمري الثماني والعشرين، كنت أدير أكثر من ثلاثين موظفًا، والمنشأة الصغرى التي أسسها أبي قديما غدت اليوم اسمًا لامعًا.

 

مددت يدي نحو اللوح الإلكتروني لأراجع التصاميم، وفجأة تناهى إلى مسامعي صوت مألوف. ظننته للوهلة الأولى صوت مذياع أو تلفاز، لكنه كان صوت حماتي تمامًا، وهي تقول بنبرة ضاحكة:

ـ يا أحمد! الحظ يبتسم لي، زوجتك اللطيفة ستعطيني خمسين ألفًا أخرى غدًا!

 

سمرت في مكاني ونظرت إلى الهاتف، لأجد الشاشة ما زالت تضيء… المكالمة لم تنقطع! يبدو أن زر الإنهاء لم يستجب.

 

ثم جاءني صوت زوجي أحمد تسوده الفضول:

ـ كم المبلغ هذه المرة؟

 

تسارعت دقات قلبي. أحمد كان يفترض أن يكون في مقر عمله يتابع مشروعه الإلكتروني، فما الذي أتى به إلى بيت أمه في منتصف النهار؟

 

أجابت أمينة وهي تقهقه:

ـ خمسون ألفًا كالعادة! أمر يدعو للضحك، كم هي قلقة على صحتي!

 

وانخرط الاثنان في ضحك متواصل، قبل أن يضيف أحمد:

ـ يا أمي أنتِ داهية! حيلة المرض هذه كانت فكرة عبقرية.

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *