انهيت المكالمة
أشرت بيدي للموظف المسؤول عن العرض.
أُطفئت الأنوار الرئيسية في الحديقة، وبقيت الأضواء الخافتة. اشتغلت الشاشة الكبيرة، ولم تظهر صورة، بل ظهرت خلفية سوداء عليها موجات صوتية فقط.
صدح صوت من مكبرات الصوت عالية الجودة، يملأ أرجاء الحديقة الصامتة. كان صوت أمينة وهي تقهقه بشماتة:
“يا أحمد! الحظ يبتسم لي، زوجتك اللطيفة ستعطيني خمسين ألفاً أخرى غداً!”
تصلب أحمد في كرسيه كمن صُعق بتيار كهربائي، وسقطت الملعقة من يد أمينة لتحدث رنيناً حاداً على الطبق الصيني.
بدأ الحضور يتبادلون النظرات في ذهول، ووالدي اعتدل في جلسته بملامح متجهمة.
أكمل التسجيل، وتوالت الكلمات كطلقات الرصاص:
“خمسون ألفاً كالعادة! أمر يدعو للضحك… حيلة المرض هذه كانت فكرة عبقرية…”
“زوجتك بسيطة وسريعة التصديق… استغل الأمر…”
“وهل تزوجت امرأة ميسورة من فراغ؟… لا علاقة للحب بالأمر، أنا لا أكرهها، بل هي مريحة، ناجحة، وميسورة الحال…”
كانت كل كلمة تخرج من المكبرات تمزق الأقنعة وتعريهم أمام الجميع. أختي مريم شهقت بصدمة، بينما والدتي وضعت يدها على فمها.
حاول أحمد أن يقفز من مكانه ليوقف العرض، وهو يصرخ بهستيريا وتخبط:
ـ “ما هذا؟! هذا تلفيق! هذا ذكاء اصطناعي! أوقفوا هذا الهراء فوراً!”
لكنني كنت قد أعطيت التعليمات مسبقاً. الشاشة ارتفعت بعيداً عن متناوله، والمكبرات استمرت في فضح كل حرف قالوه حتى انتهت المكالمة تماماً بكلمته الأخيرة:
“لأظهر بمظهر الزوج المثالي، وبعد يوم عائلي لطيف لن ترفض لي طلب السيارة.”
الفصل الخامس: المواجهة ونهاية الأقنعة
عادت الأنوار فجأة لتنير المكان بكل قوة.
كان المشهد لا يُنسى. أحمد يقف يتصبب عرقاً، وجهه شاحب كالموتى، يرتجف رعباً وفضيحة. أمينة انكمشت في الكرسي، اختفت نظرة الطيبة الكاذبة وحلت محلها نظرة رعب حقيقية، محاولة ادعاء الإغماء. شقيقه وزوجته كانا ينظران إلى الأرض من شدة الحرج والصدمة.
نهض والدي، الرجل الوقور الذي لم يرفع صوته يوماً، واقترب من أحمد وعيناه تقدحان شرراً، وقال بصوت هزّ الحديقة:
ـ “هل ابنتي التي ربيتها بدم قلبي، أصبحت بالنسبة لك صفقة وفرصة يا لص؟”
رفع والدي يده، لكنني أمسكت بها بلطف وقوة في آن واحد.