بعد سنة كاملة من طلاقى
بإثارة بالغة وأنا أرى المبلغ يكتمل يوماً بعد يوم. تخيلت لحظة فتح العلبة، تخيلت نظرته المعجبة والمندهشة من قدرتي على تذكر تفصيلة مر عليها أشهر، وكيف أودعت كل هذا الجهد لأجله.
في اليوم المحدد لاستلام الساعة من الوكيل الرسمي، وهو قبل عيد زواجنا بأربعة أيام، أبلغت زياد في الصباح قبل أن يغادر للعمل أنني سأقضي اليوم في الموقع لإشراف على مشروع ديكور جديد وسأتأخر قليلاً. ابتسم، قبّل رأسي كعادته وقال لا ترهقي نفسك يا حبيبتي.. انتبهي للطريق. بمجرد خروجه، غيرت ملابسي وذهبت إلى الوكيل. استلمت الساعة في صندوقها الخشبي الفاخر المزين بشريط حريري أسود. كانت الساعة في يدي تحفة فنية تتلألأ. أخذتها ووضعتها في حقيبتي بحرص شديد، وركبت سيارتي متجهة نحو بيتنا. كان خطتي أن أضع الصندوق على الطاولة في غرفة النوم وأضع حوله بعض الورود، ليراه عندما يعود في المساء.
الجزء الرابع همسات خلف الباب المغلق
وصلت إلى الشارع الذي يقع فيه منزلنا في حدود الساعة الثانية ظهراً. كان الشارع هادئاً جداً في هذا الوقت من اليوم. انعطفت بسيارتي لأدخل الممر المؤدي للجراج، لكنني تفاجأت بوجود سيارة زياد رابضة في مكانها. توقفت لثوانٍ. ما الذي أتى به في هذا الوقت؟ هل هو مريض؟ هل نسى بعض الأوراق المهمة؟
ترجلت من السيارة بأخف طريقة ممكنة. أغلقت الباب بهدوء شديد دون أن أصدر صوتاً. أخرجت مفتاحي وفتحت باب البيت الخارجي بنعومة. كان البيت يلفه الهدوء، لكن صوت نبرة خفوت كان يأتي من ناحية الصالون الكلاسيكي المترامي الأطراف في الطابق الأراضي. خطوت خطوات قصيرة على السجاد الناعم. في البداية، داخلني شعور طفولي دافئ ربما عاد مبكراً لترتيب مفاجأة لي أيضاً بمناسبة عيد جوازنا؟ ربما هو يتحدث مع صديق أو يطلب أزهاراً أو يسقسق حول ترتيبات معينة؟
ابتسمت واستخبيت ورا الباب الجانبي للصالون، وأملت برأسي قليلاً لأستمع. كان يقف ظهره للباب، يمسك بهاتفه المحمول، ويسير بخطوات بطيئة ومتزنة. كان صوته هادئاً، تلك النبرة الواثقة التي طالما أحببتها، لكنها كانت تخلو تماماً من الدفء الذي يعاملني به عادة. كانت نبرته جافة، باردة، وحاسمة، تشبه نبرة رجل أعمال يحسب أرباح صفقة معقدة.
سمعته يقول بعد صمت قصير قلت لك لا داعي للقلق.. كل شيء يسير وفق الجدول الزمني المحدد تماماً.. هي وقعت في الفخ بنفسها من أيام الثانوية.
توقفت أنفاسي. شعرت برودة مفاجئة تسري في أطرافي، وكأن الشتاء دخل إلى عروقي دفعة واحدة. كتمت نفسي وشددت بقوة على حقيبة التبضع التي أحمل بها علبة الساعة. فخ؟ من التي وقعت في الفخ؟ عن من يتحدث؟
تابع زياد كلامه بضحكة خفيفة، ضحكة لم أسمعها منه طوال حياتي، ضحكة تحمل في طياتها استعلاءً وسخرية قاسېة خطة بشتغل عليها من وإحنا مراهقين… وأخيرًا قربت تحقق اللي أنا عايزه. الأوراق كلها ستكون جاهزة للتقيع الأسبوع القادم. والداها يثقان بي أكثر من ظلهما، وهي تعتبرني ملاكها الحارس الذي لا يخطئ.
تراجع جسدي إلى الخلف رغماً عني، تصادمت ركبتاني ببعضهما. شعرت برأس يدور بسرعة چنونية. الذكريات… كل الذكريات التي بنيت عليها حياتي بدأت تتفكك أمامي كبيت من الأوراق. دفاعه عني في المدرسة… نظراته… إصراره على حضور حفل التخرج معي… اختيار الكلية… خطوبتنا… زواجنا… كل مواقفه الرومانسية، هل كانت مجرد خطوات في شطرنج خبيث يلعبه منذ سنوات طويلة؟
ثم أردف بالجملة التي حسستني أن الأرض انشقت تحت قدمي بمجرد تحويل أصول الشركة والتنازل عن العقارات باسم المؤسسة الجديدة، لن يكون لها أو لعائلتها