بعد سنة كاملة من طلاقى
الجزء الأول الظل الممتد من الطفولة
كانت قطرات المطر الخفيفة ټضرب زجاج النافذة في غرفتي القديمة ببيت عائلتي، الصوت المتكرر يبعث على الهدوء، لكن داخلي كان هناك اضطراب لا أعرف له سبباً. في تلك الأيام البعيدة، قبل أكثر من خمسة عشر عاماً، كانت الحياة تبدو بسيطة إلى حد الذهول. شارعنا العريض، الأشجار المترامية على جانبيه، وبيت زياد الذي يفصله عن بيتنا ممر حديقة صغير فقط. لم أكن أعرف شكلاً للحياة لا يكون فيه زياد حاضراً. منذ خطوتنا الأولى في الحضانة، ونحن نمشي يداً بيد. كان يمسك بيدي بقوة تميزه، وكأنه مسؤول عن سلامتي أمام العالم. كان يسبقني في خطواته بقليل، يلتفت ليضمن أنني لا أزال أتبع أثره، ويبتسم تلك الابتسامة الهادئة التي ظننتها لسنوات طويلة مصدر أماني الوحيد.
كنا في نظر الجميع القصة المثالية التي تُحكى في الجلسات العائلية. أمه وأمي تتبادلان أطباق الطعام عبر الشرفة، وأبوه وأبي يجلسان في المساء للتحدث عن العمل والتجارة. كل شيء حولنا كان ينطق بأننا كيان واحد قسمه القدر إلى جسدين. عندما بدأنا مرحلة الثانوية، بدأت مشاعري تتغير، أو ربما بدأت أكتشف حقيقتها. لم يعد زياد مجرد ابن الجيران أو الصديق الذي أركض معه في الشارع؛ أصبح الشخص الذي ينتفض قلبي لمرآه، والذي أبحث عن عينيه في زحام المدرسة لأستمد منهما الثقة.
تذكرت ذلك اليوم تحديداً، في السنة الثانية من المرحلة الثانوية. كنت تعرضت لموقف مضايقة سخيف من أحد الطلاب في حافلة المدرسة. لم أقضِ عشر دقائق حتى علم زياد بالأمر. لم يتكلم، لم ېصرخ، لكن عينيه تحولتا إلى لون داكن يشبه قاع المحيط قبل العاصفة. في اليوم التالي، لم يقتصر الأمر على أنه أجبر ذلك الطالب على الاعتذار أمامي، بل استطاع بطريقة ما جعل إدارة المدرسة تنقل الطالب إلى فصل آخر. وقتها، شعرت بقمة الفخر والأمان. قلت لنفسي من في هذا العالم يمكنه أن يحبني ويحميني مثل زياد؟. لكنني لم أسأل نفسي يوماً كيف استطاع طالب في مرحلة الثانوية أن يمتلك كل ذلك النفوذ أو تلك القدرة على الإقناع والتأثير على إدارة المدرسة؟ كيف كان يبدو قادراً على تحريك الأمور من خلف الستار بهدوء شديد دون أن يترك أثراً؟
مرت الأيام وتوجت قصتنا بحفلة التخرج من المدرسة الثانوية. كان الجميع يرتدي عباءات التخرج، والأضواء تملأ الساحة، وحلقات الموسيقى تتعالى. جاء إليّ يحمل باقة من الزهور البيضاء، يرتدي بدلة داكنة جعلته يبدو أكبر من سنه بكثير. وقف أمامي وقال بوضوح أمام الجميع لن تذهبي مع أي شخص آخر لحفل التخرج، ولا لأي مكان في هذه الحياة إلا معي. تعالت ضحكات الأهل والأصدقاء، واستقبل الجميع الكلمات باعتبارها دعابة رومانسية من شاب عاشق. حمرت وجنتاي وخفضت رأسي خجلاً وموافقة. لم أكن أعلم أن تلك الكلمات لم تكن مجرد مغازلة، بل كانت إعلاناً عن ملكية مسجلة في عقله، خطوةً محسوبة بدقة ضمن إطار أكبر لم أكن أرى منه سوى قشوره السطحية.
الجزء الثاني الوعد المحتوم
التحقنا بنفس الجامعة، وبنفس الكلية بناءً على رغبته المشددة. كان يقول لي دائماً نحن تكملة لبعضنا البعض، لا يجب أن تشتتنا الخيارات. دخلنا كلية إدارة الأعمال، وعلى مدار أربع سنوات، كانت دراستنا عبارة عن عمل جماعي لا ينتهي. كان يخطط لجدولنا الدراسي، يختار المواد التي نسجل فيها، وحتى الأبحاث التي نعمل عليها. كنت أرى في هذا اهتماماً بالغاً وعشقاً يحيطني به، بينما كان هو يبني بعناية فائقة المعرفة