جوزي قعد يضحك
صرخت بأعلى صوت عندي هز الدور كله.
في ثواني، طلع إثنين من رجال الشرطة، وجروا عليه وزقوه على الحيطة وهما بيكتّفوه.
وهو بيتركب في إيده الكلبشات، كان بيصرخ ويزعق:
— هتدفعي الثمن غالي يا مريم! مش هسيبك!
رفعت إيدي اللي كان ماسكها، وعلامات صوابعه الحمرا بدأت تزرق:
— لأ يا أحمد.. أنا بس زعلانة إني تأخرت كل السنين دي عشان أفوق!
أمي صحيت مع شروق الشمس.
دخلت لها الأوضة.. كانت متوصلة بأجهزة ومحاليل ووشها تعبان جداً.
فتحت عينها بالراحة وقالت:
— هو فين؟
— اتقبض عليه والكلبشات في إيده.
— والكبسولة؟
قربت منها وبست إيدها:
— أتكلمت يا أمي.. وقالت كل حاجة.
ابتسامة صغيرة اترسمت على شفايفها التعبانة:
— قلت لك يا بنتي.. جسمي هو اللي هيشهد ويقول الحقيقة.
في الأسابيع اللي بعدها، النيابة كشفت بلاوي تخوف.
أحمد كان ساحب قروض بمليونات بإمضائي، ومزور توقيعي عشان ينقل ملكية الشقة باسمه وباسم شركائه، وكان عامل ملف كامل يقدمه للمستشفى عشان يثبت إن أمي عندها ألزهايمر ومجنونة لو فكرت تتكلم!
التحقيقات جابت رجل صابر والشركات الوهمية اللي كانوا ببيهربوا الفلوس من خلالها.
أمي خرجت من المستشفى بعد حوالي 3 أسابيع.
لما رجعنا بيتها في شبرا، لقينا الحاجة كثرة والجيران كانسين الشارع ومجهزين بيت العيلة، وريحة شوربة الفراخ مالية البيت، وشمعة جديدة منورة تحت تابلوه أية الكرسي.
أمي قعدت بالراحة على كرسيها الخشب المفضل:
— كنت فاكرة إني مش هرجع أعد هنا تاني يا مريم.
قعدت جنبك ومسكت إيدها:
— ولا أنا يا أمي.
بعد شهور، كانت جلسة المحاكمة الأخيرة في محكمة الجنايات.
محامي أحمد حاول يطلع أمي ست خرفانة وكبيرة في السن وما يتأخدش بكلامها.
بس الأجندة الزرقا اتكلمت..
الفيديوهات اتكلمت..
الحسابات البنكية اتكلمت..
رسائل التهديد اتكلمت..
والكبسولة المعدنية الصغيرة اللي كانت هتقضي على حياة أمي هي اللي قطعت رقبة أحمد والقضاء حكم عليه بالسجن المشدد.
ونحنا طالعين من باب المحكمة، صحفية قربت بالميكروفون:
— يا حاجّة نادية.. تحبي تقولي إيه للناس بعد كل اللي حصل؟
أمي سكتت شوية، وبعدين مسكت إيدي وقربت من الميكروفون وقالت بصوت قوي هز المكان:
— لما ست كبيرة تقولكم أنا موجوعة وعندي نار في جسمي، اسمعوها واكشفوا عليها.. مش كل وجع بيكون عشان السن والعجز.. ساعات بتكون الحقيقة هي اللي بتكتوي جوة جسمها ومحتاجة حد ينقذها!
الفيديو بتاع أمي انتشر زي النار في الهشيم على الفيس بوك والتيك توك وكل حتة، وآلاف الناس بدأت تشيره وتحكي عن أمهات مظلومات وأزواج مستبدين.
في ليلة، وأنا بقرا لها التعليقات والدعوات اللي نازلة عليها، أمي كانت قاعدة بتشرب كوباية شاي بالنعناع:
— بصي يا أمي.. الناس كاتبة إنك بطلة وأشجع ست!
هزت رأسها بالرفض وقالت:
— لأ يا مريم.. أنا مش بطلة ولا حاجة.