كل يوم جمعة
كل يوم جمعة، كان الشيخ كريم بيختفي من البيت لمدة 3 ساعات بالظبط.
يقفل موبايله، ويرفض إن الحراسة تمشي وراه، وحتى السواق الوحيد اللي بيسمح له يوصله كان ممنوع يتكلم عن المكان اللي بيروحه.
مراته ليلى بدأت تقلق.
مش لأنها كانت بتشك فيه كزوج، لكن لأنها كانت حاسة إن جوزها شايل سر تقيل لوحده.
ليلى كانت متجوزة كريم بقالها سبع سنين، وكانت عارفة عنه حاجات كتير.
لكن في الشهور الأخيرة، كان بيخرج كل جمعة الساعة 2 الضهر، ويرجع الساعة 5 بالظبط.
وفي كل مرة، كان يقول نفس الجملة
عندي حاجة لازم أخلصها.
في البداية، ليلى احترمت خصوصيته.
لكن مع مرور الوقت، بدأت تلاحظ حاجة أغرب.
كل جمعة قبل ما يخرج، كان كريم يحط ظرف بني صغير في شنطته.
وفي مرة، لمحته وهو بيكتب على الظرف
للأستاذة ليلى.
استغربت جدًا.
استنته يخرج، وبعدين دورت على الظرف.
لكنها ما لقتوش.
الجمعة اللي بعدها، قررت تسأله مباشرة.
كريم، إنت بتروح فين كل جمعة؟
سكت لحظة، وبعدين قال
مكان لازم أروحه بنفسي.
وليه مخبيه عني؟
مش عشان مش واثق فيكي بالعكس. بس لما ييجي الوقت، هتعرفي كل حاجة.
الجملة دي زودت قلقها أكتر.
وفي الأسبوع التالي، حصلت المفاجأة.
السواق أمير اتصل وقال
مدام ليلى، أنا تعبان ومش هقدر أطلع النهارده.
بعدها بدقائق، كريم طلب سواق بديل.
ليلى بصت لنفسها في المراية، وفكرت في كل الأسئلة اللي ملهاش إجابة.
وفجأة قالت لنفسها
لازم أعرف.
لبست ملابس واسعة تشبه ملابس السواقين، وغطت شعرها بكاب، وحاولت تغير شكلها.
ولما خرج كريم، وقفت قدام العربية وقالت بصوت مختلف
العربية جاهزة يا فندم.
ركب كريم من غير ما يشك فيها.
وبعد ثواني قال
على العنوان المعتاد.
ليلى ردت
حاضر.
لكنها ما كانتش تعرف العنوان.
فسألته بسرعة
ممكن حضرتك تقول لي المكان؟
كريم أعطاها العنوان.
دخلته على الخريطة، وتحركت.
بعد حوالي أربعين دقيقة، وصلوا لمنطقة هادئة جدًا.
قدامهم ظهر مبنى قديم، عليه لافتة صغيرة مكتوب عليها
دار النور للرعاية والتأهيل.
ليلى اتفاجئت.
دار رعاية؟
كريم نزل من العربية، وأخرج الظرف البني من شنطته، ودخل المبنى.
ليلى فضلت جوه العربية دقائق، لكن فضولها غلبها.
نزلت ودخلت من الباب.
موظفة الاستقبال شافتها وقالت
حضرتك جاية مع الشيخ كريم؟
ليلى ارتبكت.
أيوه.
الست ابتسمت وقالت
كويس إنك جيتي.
ليلى اتجمدت.
يعني إيه؟
الموظفة بصت لها باستغراب وقالت
هو ماقالكيش؟
قال لي إيه؟
الست فتحت درج المكتب، وطلعت ملف كبير.
وحطته قدام ليلى.
على غلاف الملف كان مكتوب
مشروع ليلى.
ليلى فتحت الملف بإيد مرتعشة.
ولقت صور أطفال، وتقارير، وإيصالات تبرعات، وأسماء مدارس، ومستندات خاصة بمشروع تعليمي كامل.
وفي آخر الملف ورقة مكتوب فيها
هذا المشروع باسم زوجتي ليلى، لأنها كانت دائمًا تتمنى إنشاء مكان يساعد الأطفال اللي حُرموا من التعليم.
ليلى ماقدرتش تتكلم.
وفجأة سمعت صوت كريم من وراها
كنت عايز أخلص كل حاجة الأول وبعدين أفاجئك.
لفت له وهي مش مصدقة.
إنت كنت بتعمل ده كله من ورايا؟
كريم ابتسم بهدوء وقال
كنت بحاول أعمل حاجة تفرحك، مش حاجة أخبيها عنك.
ليلى بصت للملف مرة تانية.
لكن كان فيه ورقة أخيرة مختلفة تمامًا.
ورقة عليها اسم طفل واحد فقط.
آدم.
وتحت الاسم جملة قصيرة
الطفل ده هو سبب بداية المشروع كله.
ليلى رفعت عينيها وقالت
مين آدم؟
كريم سكت.
ولأول مرة، ظهر على وشه الحزن.
وقال
آدم هو ابن أخويا والسبب الحقيقي إني باجي هنا كل جمعة.
ليلى بصت له في صدمة.
لكن كريم كمل
وفي حاجة لازم تعرفيها عنه حاجة أنا مخبيها من سبع سنين، مش خوفًا منك، لكن خوفًا من إنك تتوجعي بسببها.
وهنا فهمت ليلى إن الساعات الثلاث اللي كان بيختفي فيها كل جمعة
ماكانتش مجرد زيارة عادية.
كانت بداية سر كبير متعلق بعيلتهم، وبطفل صغير، وبحقيقة كان كريم مستني اللحظة المناسبة عشان يحكيها لمراته.
والحقيقة دي كانت هتغير حياة ليلى للأبد ليلى فضلت واقفة مكانها، والملف مفتوح قدامها.
قالت بصوت منخفض
آدم ده مين بالظبط؟
كريم قعد على الكرسي، وسكت شوية كأنه بيرتب كلامه.
آدم ابن أخويا ياسر.
ليلى اتفاجئت.
ياسر؟ بس أنا عمري ما سمعتك تتكلم عنه!
كريم نزل عينيه وقال
لأن ياسر مات قبل ما تتجوزيني بسنة.
ليلى سكتت.
كان عنده ولد صغير اسمه آدم. وبعد وفاة ياسر، حصلت مشاكل كبيرة في العيلة، وآدم دخل دار الرعاية دي.
وإنت كنت عارف؟
أيوه.
طب ليه ماخدتوش يعيش معانا؟
كريم تنهد.
حاولت. لكن وقتها كانت حالته محتاجة رعاية متخصصة، والأطباء قالوا إن نقله من المكان هيكون خطر عليه.
ليلى بصت ناحية باب الغرفة.
هو عنده إيه؟
كريم رد
إصابة قديمة أثرت على قدرته على الكلام والحركة. لكنه ذكي جدًا وبيفهم كل حاجة حواليه.
سكتت ليلى لحظة، وبعدين قالت
وإنت بتيجي له كل جمعة؟
كل جمعة من سبع سنين.
ليلى رفعت عينيها بسرعة.
سبع سنين؟
أيوه.
يعني من قبل ما تتجوزني؟
من قبل جوازنا.
وبعدين أخرج كريم ظرفًا من حقيبته.
حطه قدامها وقال
وده سبب إنك شوفتي اسمك على الملف.
فتحت ليلى الظرف.
كان جواه عقد رسمي ومستندات مشروع كامل.
قال كريم
من أول سنة جوازنا، وأنا كنت بجمع فلوس عشان أعمل مكان مستقل للأطفال اللي حالتهم زي حالة آدم.
ليلى قرأت الورق ببطء.
وليه سميت المشروع باسمي؟
ابتسم كريم
لأنك أول واحدة شفتها بتساعد حد من غير ما تستنى مقابل.
ليلى افتكرت يوم قديم، قبل جوازهم بسنين، لما كانت بتوزع أكل وملابس على أطفال في أحد الشوارع.
ماكانتتش تعرف إن كريم فاكر الموقف ده لحد دلوقتي.
قال
وقتها قلت لنفسي إن لو قدرت أعمل مشروع في يوم من الأيام، هيكون باسمك.
ليلى سألته
بس ليه السرية كلها؟
كريم أشار للملف.
لأن المشروع كان لسه ناقص تصريح واحد.
تصريح إيه؟
موافقة نهائية عشان المكان يتحول لمركز تعليمي وتأهيلي.
وفجأة دخلت مديرة الدار.
وقالت
الشيخ كريم، وصلنا الرد.
كريم وقف بسرعة.
الرد إيه؟
مدت له ظرفًا أبيض.
فتحه أمام ليلى.
قرأ الورقة مرة.
ثم مرة ثانية.
وبدأت ملامح وجهه تتغير.
ليلى قالت بقلق
في إيه؟
ناولها الورقة.
كانت الموافقة الرسمية على افتتاح المركز.
ليلى ابتسمت لأول مرة.
لكن كريم قال
لسه في حاجة أهم.
إيه؟
آدم.
بصوا ناحية الغرفة.
كان آدم واقف عند الباب، ماسك دفتره.
ولأول مرة، قال كلمة واضحة
عايز أروح البيت.
ليلى اتجمدت مكانها.
كريم بص للطفل، وبعدها بص لليلى.
وقال
عشان كده كنت مستني النهارده.
ليلى فهمت إن الساعات الثلاث ماكانتش مجرد زيارة.
كريم كان بيجهز كل حاجة علشان آدم يخرج من دار الرعاية ويبدأ حياة جديدة.
لكن قبل ما يتحركوا، مديرة الدار قالت
في مشكلة واحدة.
كريم سأل
إيه؟
قالت
ظهر شخص بيدّعي إن له حق قانوني في رعاية آدم، وقدم أوراق النهارده الصبح.
ليلى بصت لكريم بقلق.
مين الشخص ده؟
المديرة ردت
شخص من عيلة آدم.
ثم أضافت
وبيقول إن عنده مستند يثبت إن كريم ملوش أي حق يتدخل في مستقبل الطفل.
كريم سكت.
لأن الشخص الوحيد اللي كان ممكن يمتلك الورقة دي
كان شخصًا كريم اعتقد إنه اختفى من حياتهم من سنين.
وفي اللحظة دي، رن هاتف المديرة.
ردت.
وبعد ثواني، قالت
هو وصل.
ليلى سألت
مين؟
المديرة بصت ناحية الباب وقالت
عم آدم بعد ثواني، اتفتح باب الدار.
دخل رجل في أواخر الخمسينات، ماسك ملف أسود، وملامحه كانت جامدة.
أول ما شاف كريم، وقف مكانه.
كريم؟
كريم بص له بهدوء.
عارف إنك هتيجي.
الرجل رد بعصبية
يبقى عارف ليه فضلت ساكت كل السنين دي؟
ليلى بصت لكريم باستغراب.
إنت تعرفه؟
كريم قال
ده أخو أبويا عم آدم.
الرجل حط الملف على المكتب وقال
أنا جاي آخد ابن أخويا.
كريم وقف قدامه.
آدم مش حاجة تتاخد وتتسلم.
وأنا عمه، وليا حق قانوني فيه.
مدير الدار أخذ الأوراق وبدأ يراجعها.
وبعد لحظات، قال
المستندات دي قديمة.
الرجل رد
لكنها تثبت إن والده كان موكلني برعايته.
كريم قال
قبل وفاته بشهرين.
الرجل سكت.
كريم فتح حقيبته وأخرج ملفًا آخر.
وبعدها بأسبوع، والد آدم كتب إقرار جديد.
الرجل اتوتر.
الإقرار ده مش صحيح.
كريم حط الورقة قدامه.
اتوثق رسميًا.
ليلى كانت واقفة تتابع الحوار، لحد ما لاحظت إن آدم واقف بعيد وبيسمع كل كلمة.
فراحت له وقالت بهدوء
متخافش.
الولد بص لها، وبعدين أشار إلى الرجل.
هو عايز ياخدني؟
ليلى ردت
محدش هياخدك غصب عنك.
الرجل سمعها وقال
إنتِ مالك بالموضوع؟
ليلى ردت بثبات
أنا زوجة كريم، لكن قبل أي حاجة أنا إنسانة مش هسمح لطفل يخاف من مستقبله.
سكت الرجل.
وفجأة، آدم فتح الدفتر اللي كان ماسكه.
وطلع منه ورقة صغيرة.
مدها لكريم.
كريم قرأها، واتغيرت ملامحه.
ليلى سألت
مكتوب إيه؟
كريم ناولها الورقة.
كان مكتوب بخط طفل
بابا قال لي لو حصل له حاجة، أدّي الورقة دي لكريم.
ليلى بصت لكريم.
باباه كان متوقع حاجة؟
كريم هز رأسه.
واضح إنه كان حاسس إن في مشكلة.
فتحوا الورقة.
وكان فيها عنوان ومفتاح صغير، وتحتهم جملة
الحقيقة موجودة في البيت القديم.
الرجل الكبير اتغير لونه.
كريم لاحظ ده فورًا.
إنت تعرف البيت ده؟
الرجل ما ردش.
كريم قرب منه وقال
ليه خايف من عنوان بيت أبو