افتح باب المطبخ
روايات_مشيره_محمد
وقف عصام في مكانه زي الصنم ووشه بقى أصفر زي الليمونة المقطوعة، ورجليه مقتدرتش تشيله من الصدمة، عيونه كانت رايحة جاية بين المنشاوي بيه وبيين يوسف عامل النظافة اللي كان لسه من لحظات بينفض التراب عن ثياب العجوز. رجال الأمن اللي كانوا ماسكين يوسف سابوا إيديه فوراً ورجعوا خطوات لورا من الخوف والرعب، وكل واحد فيهم كان بيتمنى الأرض تتشق وتبلعه قبل ما المنشاوي بيه يلتفت ليهم.
المنشاوي كان حاضن يوسف بقوة، ماسك فيه وكأنه خايف يصحى من حلم جميل، وعيونه بتخر دموع الصبر والفرج اللي استناه تلاتين سنة كاملة، يوسف كان حاطط راسه على صدر أبوه وبيعيط بصوت مكتوم، مش مصدق إن الراجل اللي دافع عنه واقتسم معاه الشطيرة هو نفسه الأب اللي أمه حكت له عنه طول حياتها، وهو نفسه صاحب المكان والأملاك دي كلها.
المنشاوي رفع راسه وبص ليوسف بحنان وهو بيمسح دموعه بإيديه المرتعشة وقال له بصوت حنين ومبحوح
يااااه يا يوسف.. تلاتين سنة يا بني وأنا عايش جثة من غير روح.. تلاتين سنة بقلب الدنيا عليك في كل شبر، وأتاري ربنا شايل لي اللحظة دي عشان أعرف إنك مش بس ابني، أنت راجل جدع واصيل وابن أصول زي ما تمنيتك بالظبط.
رد عليه يوسف وهو بيشهق من البكاء والذهول
أنا مش مصدق يا عمي.. قصدي يا أبايا.. أمي الله يرحمها كانت كل يوم قبل ما تنام تقول لي أبوك مش نسينا يا يوسف، أبوك يدور علينا، والقلادة دي أوعى تخلعها من رقبتك عشان هي اللي هترجعك لحضنه في يوم من الأيام.. بس أنا عمري ما تخيلت إنك تكون صاحب المطاعم دي كلها وأنا بكنس أرضها بيدي!
المنشاوي ابتسم بكسرة وهو بيطبطب على كتفه وقال
الملك والمال كله فداء لظفرك يا بني.. ربنا جابني لحد عندك عشان أشوف معدنك الشريف، وعشان أطهر المكان ده من الأشكال الضالة اللي سيبتها تتطاول على خلق الله.
هنا التفت المنشاوي ناحية عصام، ونظرته تحولت في ثانية من الحنان والشفقة لشعلة نار وغضب يهز الجبال. خطى خطوتين ناحية عصام اللي كان واقف بيترعش وجسمه كله بيلف بيه، والعرق نازل من جبهته زي المطر.
المنشاوي بص له بكبرياء وقال بصوت جمهوري هز فناء المطعم كله
أيه يا عصام بك؟ فين لسناك اللي كان بيقطر سم من شويه؟ فين رجلك اللي ركلت بيها راجل عجوز في سن أبوك؟ فين هيبتك وحذائك الفاخر اللي خايف عليه من شوية مية؟
عصام اتلجلج في الكلام وجسمه كأنه اتجمد، وقعد يقطع في الحروف وهو بيمد إيديه بترجي
ا.. المنشاوي بيه! والله ما كنت أعرف.. وحياة عيالك يا باشا ما كنت أعرف إن حضرتك أنت.. أنا.. أنا كنت فاكرك عامل جديد وبختبر حزمك في الشغل.. والله أنا بشتغل لصالح المكان وبحافظ على الهيبة والنظام!
المنشاوي ضحك ضحكة عالية مليانة سخرية واستحقار، وقرب منه لحد ما بقى بينه وبين عصام شبر واحد وقال له
بتختبر حزمي؟ ولا بتطلع عقدك النفسية وساديتك على الغلابة اللي أكل عيشهم في إيدك؟ أنت فاكر إني عشان لبست رخيص ووقفت اغسل أطباق بقى من حقك تشتمني وتركلني في جنبي؟ فاكر إن إكراميات العمال اللي بتسرقها وتدنس بيها جيبك دي مش هتوصل لي؟ فاكر إن أكل الشخصيات الهامة اللي بتلتهمه في المطبخ ده هيفوت عليا؟
عصام وشه جاب ألوان وقعد ينزل على ركبه في الأرض ومسك في جزمة المنشاوي وهو بيصرخ ويبكي
أبوس إيدك يا باشا! ارحمني واسترتي! أنا عندي عيال وبربي كوم لحم.. سامحني المرة دي ومش هتشوف مني غير كل خير، أنا خدام تحت جزمتك وجزمة يوسف بيه!
المنشاوي زق إيد عصام برجله بمنتهى القرف والاشمئزاز وقال له بصوت قاطع زي السيف
تخسأ يا عصام.. اللي ما يرحمش الضعيف ما يستاهلش الرحمة، أنت مش بس مطرود من المطعم ده، أنت من اللحظة دي محروم من العمل في أي مؤسسة تابعة لسلسلة المنشاوي في جمهورية مصر كلها! ومش بس كده.. الأموال اللي سرقتها من إكراميات العمال والأرباح اللي اختلستها هتترد للعمال بالمليم، ورجال الشؤون القانونية بتوعي هيرفعوا عليك قضية خيانة أمانة واختلاس، وهتتقفص في السجن عشان تتعلم يعني أيه تظلم بني آدم ضعيف.
التفت المنشاوي لرئيس رجال الأمن اللي كان واقف خايف ومرعوب وقال له بحزم
أنت والشرذمة اللي معاك.. تلموا حاجتكم وتغوروا من قدام وشي فوراً! شغل البلطجة والتفرعن ده مش عندي، والشركة الأمنية اللي بعتاكم هيلغى التعاقد معاها النهاردة بالليل.. جردوا عصام من كل حاجة تابعة للمطعم، واطلبوا البوليس يستلمه من هنا فوراً!
رجال الأمن اتنططوا ينفذوا الأوامر، ومسكوا عصام من قفاه وهو بيصرخ ويولول وبيترجى، وسحبوه لبره زي الكلاب الضالة وسط حسرة وندم ما ينفعوش بعد فوات الأوان.
في الوقت ده، العمال بتوع المطبخ والجرسونات وعمال النظافة كانوا ملمومين ورا الأبواب والشباك، يتفرجوا على اللي بيحصل بذهول وفرحة مكتومة. المنشاوي التفت ناحيتهم ونادى بصوت عالي
تعالوا هنا يا رجالة.. قربوا ما تخافوش!
العمال خرجوا بالتدريج، كل واحد فيهم باصص للأرض وخايف من الهيبة الكبيرة للراجل اللي كانوا فاكرينه عم كمال العجوز البطيء.
وقف المنشاوي وسطهم وبص لوشوشهم المجهدة والتعبانة وقال بصوت دافئ
أنا بعتذر لكم جميعاً.. بعتذر لكول واحد فيكم اتظلم أو اتهان في المكان ده تحت