جوزي قعد يضحك

​— كنت رايحة أجيب خضار مع الحاجة كثرة جارتنا.. شفته واقف ورا عربيات النقل الكبيرة مع واحد غريب، وتسلم منه ظرف كبير ورزمة أوراق.
​أحمد بدأ يهز رأسه بنفي ووشه بيجيب ألوان:
​— انتي هيتهيأ لك، دي تهيؤات كبار السن!
​— أنا صورتك يا أحمد بالموبايل!
​السكوت نزل على الأوضة زي الصاعقة.
​افتكرت الموبايل الزرار القديم الرخيص اللي أمي مصممة تشيله وترفض تجيب تاتش، وتقول لي “ده بتاع المكالمات وبس”.
​— صورتيه بيعمل إيه يا أمي؟
​أمي بصت لي بأسى:
​— صورته وهو بيتكلم مع الراجل ده على عقود وتأمين.. أحمد كان بيقول له “مريم بتوقع لي على أي ورقة بحطها قدامها من غير ما تقرأ حرف”..
​حسيت بغثيان ورغبة في القيء.
​أمي كملت كلامها بصوت مجروح:
​— وقال كمان.. “لو العجوزة دي غارت في داهية وماتت الأول، كل حاجة هتبقى أسهل بكتير”.
​— أسهل عشان إيه يا أمي؟!
​دموعها نزلت صامتة:
​— عشان يقلط بالحاجة وياخد كل حاجة له ويورثك في صحتك!
​مقدرتش أنطق كلمة..
​أمي كملت وحكت إنها فكت كارت الميموري (بطاقة microSD) الصغيرة من الموبايل، وحطتها جوة كبسولة معدنية صغيرة كانت بتاعة أبويا الله يرحمه، كان بيشيل فيها ميدالية صغيرة لآية الكرسي.
​كانت نيتها تخبي الكبسولة ورا تابلوه أية الكرسي في الصالون.. بس في نفس الليلة، أحمد جه بيتها فجأة من غير ميعاد.
​— بدأ يقلب البيت حتة حتة — أمي قالتها وهي بتهمس — يفتح الأدراج، يقلب تحت الكنب، ويدور بجلل ويقول لي “ضايع مني ورق مهم هنا يا أمي”.
​— وانتي.. بلعتيها؟!
​زفرت بآه:
​— خفت يمسكها ويضيع حقك.. افتكرت إنها ست ساعات وتنزل طبيعي.. بس اتزنقت جوة وما نزلتش.
​وظلت أمي متحملة النار والوجع بيموت فيها بقالها شهور، خايفة تروح مستشفى لأحمد يعرف ويطلب الأشعة ويآخدها منها!
​— ليه ما قلتليش من الأول يا مريم؟! ليه يا بنتي؟!
​وشها اتكسر بالبكاء:
​— عشان كل ما كنت بلمح لك على جوزك، كنتي بتدافعي عنه وتطلعيني أنا اللي ظالماه! وعشان هو كان بدأ يروح للدكاترة ويقول لهم إن عقلي خف وبدأت أخرف!
​أحمد صرخ:
​— ما انتي خرفتي فعلاً يا ست انتي!!
​الدكتور شاور له بصرامة:
​— كلمة زيادة وهطلب لك النجدة تطلعك بصلبكة من هنا!
​بص الدكتور على الأشعة وقال:
​— الكبسولة عاملة قرحة وانثقاب جزئي، لو عملت صديد أو خرق في المصارين، الست دي هتجيلها تسمم دم وتموت في ساعات!
​أمي مسكت إيدي:
​— عشان كده عرفت إن خلافي انتهى.. ولازم أعترف لك قبل ما أموت.
​أحمد حاول يقرب من الشاشة، بس فرد الأمن مسكه من دراعه بقوة:
​— أقف مكانك وما تلمسش حاجة!
​— أوعى إيدك! الكبسولة دي ملكي أنا وأنا اللي اشتريتها!
​الأوضة كلها سكتت…
​أحمد فتح بوقه ووسع عينيه.. اكتشف الكارثة اللي نطق بيها وعترف بلسانه!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *