كان عندي 10 سنين
جدتي ضحكت ضحكة باردة.
مقفولة؟ دي كلمة كبيرة يا دكتور.
وسكتت لحظة، وبعدين قالت
أنا بس بحافظ عليها.
الدكتور كرر السؤال.
المرة دي صوته كان مختلف.
بقالها قد إيه؟
جدتي مدت إيدها جوه شنطتها.
طلعت منديل.
طوته مرة.
وبعدين مرة تانية.
وبعدين رجعته الشنطة من غير ما تستخدمه.
وقالت
مش كتير.
الدكتور بص للممرضة وقال فورًا
لو سمحتي، اتصلي بوالدها على شغله وخليه ييجي حالًا.
جدتي مسكت الجاكيت بتاعي وضمت صوابعها عليه.
مفيش داعي لكل ده!
الدكتور بص لها بثبات.
دلوقتي بقى فيه داعي.
استنينا أبويا.
جدتي طلعتلي كيس بسكوت قديم من شنطتها.
كلي.
كنت حلقي ناشف جدًا.
لكن أكلت الأربع قطع كلها.
مضغتهم بصعوبة وبلعتهم واحدة واحدة.
وطول الوقت جدتي كانت بتتكلم كأن مفيش حاجة حصلت.
مرة عن الغسيل.
مرة عن مواعيد شغل أبويا.
ومرة عن المطر وهل هيبوظ الزرع اللي في الجنينة.
كأن السلسلة الحديد المقطوعة مش مرمية قدامها على ترابيزة الكشف.
لحد ما قربت مني.
وهمست في ودني
إنتِ كده هتخلّي أبوكي يسيب شغله ويخسر يومه علشان الدراما بتاعتك.
بصيت للأرض.
شرابي كان متجمع تحت كعبي ومضايقني.
حاولت أعدله من غير ما أنحني علشان ضلوعي كانت بتوجعني.
وبعد وقت حسيت إنه طويل جدًا
باب العيادة اتفتح.
أبويا دخل.
كان لسه راجع من الشغل.
هدومه عليها نشارة خشب، وجزمته كانت مربوطة بسرعة كأنه جري أول ما عرف.
جدتي قامت فورًا.
كالعادة
دخلت في دور الضحية قبل ما أبويا حتى يسأل.
وقالت
بنتك عملت نوبة جنان تانية.
أبويا بصلي.
وشي كان شاحب.
وبعدين بص للدعامة المقطوعة.
وسأل
هي حاولت تهرب تاني؟
السؤال ده كان مألوف جدًا.
كنت عارفة إجابته.
جدتي سبقتني
من الصبح وهي عنيدة ومش بتسمع الكلام.
الدكتور سامح رفع السلسلة الحديد المقطوعة قدام أبويا.
أبويا بص لها.
اتجمد.
وقال
إيه ده؟
جدتي اتغير صوتها فجأة.
بقى ناعم وحنين.
ده بس اللي كان بيمنعها تأذي نفسها.
أبويا حط إيديه على وشه.
واضح إنه مش فاهم.
وأنا كنت مستعدة إنه يعمل زي كل مرة
يعتذر لجدتي.
ويقول لي
اسمعي كلام تيتا.
لكن المرة دي
حصل شيء مختلف.
أبويا نزل إيديه وبصلي.
وقال بهدوء
يا حبيبتي مفتاح القفل فين؟
بصيت لجدتي.
وقلت
تيتا معاها.
جدتي ضحكت ضحكة مصطنعة.
دي بتنسى حاجاتها طول الوقت.
بصيت لأبويا وقلت لأول مرة من غير خوف
أنا أصلًا محدش اداني مفتاح.
الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل.
أبويا بص لجدتي.
ولأول مرة من يوم ما عرفتها
جدتي شالت إيدها من عليّا.
الدكتور سامح قرب من أبويا وقال
إنت كنت عارف إن الدعامة دي متقفلة بسلسلة وقفل؟
أبويا اتلخبط.
أنا كنت فاكر إنها لازم تفضل مقفولة.
الدكتور سأله
مين قالك إن ده إجراء طبي؟
أبويا سكت.
وبص لجدتي.
الدكتور كمل
مين أقنعك إن القفل ده صادر من العيادة؟
أبويا لف ناحية أمه ببطء.
وشه كان بيتغير قدام عيني.
وصوته خرج مرتعش
ماما
جدتي ماردتش.
أبويا قرب خطوة.
وقال
إنتِ قلتيلي إن العيادة هي اللي ادّتك القفل ده.
جدتي فضلت ساكتة.
وأنا لأول مرة
رفعت عيني وبصيت لها من غير خوف.
لأن أبويا أخيرًا بدأ يسأل الأسئلة اللي كان المفروض يسألها من زمان.
لكن اللي محدش فينا كان يعرفه وقتها إن القفل ده ماكانش أسوأ سر كانت جدتي مخبياه.
أبويا فضل واقف قدام جدتي كام ثانية، وكأنه لأول مرة يشوفها بجد.
قال بصوت هادي
ماما أنا سألتك سؤال.
جدتي بصت ناحية الدكتور، وبعدين ناحيتي.
إنتوا مكبرين الموضوع ليه؟ البنت محتاجة حد يسيطر عليها.
الدكتور سامح رد فورًا
السيطرة مش علاج.
وبعدين قرب من أبويا وقال
أنا محتاج أشوف ملفها الطبي بالكامل.
جدتي رفعت حاجبها.
ملفها عندي.
الدكتور اتفاجئ.
عندك إنتِ؟
قالت
أبوها بيديهولي.
أبويا هز رأسه ببطء.
أنا عمري ما شفت الملف.
لأول مرة، جدتي ما لقتش رد جاهز.
الدكتور مد إيده.
هاتيه.
جدتي فتحت شنطتها.
طلعت ملف بني قديم.
حطته على المكتب.
لكن قبل ما الدكتور يفتحه، أنا لمحت حاجة وقعت من بين الورق.
ورقة صغيرة.
كان عليها اسمي.
وتحت اسمي رقم غريب.
الدكتور التقطها.
قرأ الرقم.
وبعدين سأل
الرقم ده إيه؟
جدتي حاولت تاخد الورقة.
لكن الدكتور رجعها بعيد عنها.
استني.
قلب الورقة.
كان مكتوب في ظهرها تاريخ.
تاريخ أقدم بكتير من اليوم اللي بدأت فيه ألبس الدعامة.
أبويا قرب.
إيه التاريخ ده؟
جدتي قالت بسرعة
معلومة قديمة.
الدكتور بص للورقة تاني.
وبعدين بصلي.
إنتِ فاكرة اليوم ده؟
هزيت راسي.
لأ.
أبويا سأل
ماما، إيه اللي حصل في اليوم ده؟
جدتي سكتت.
الدكتور فتح الملف.
أول صفحتين كانوا تقارير طبية عادية.
لكن الصفحة الثالثة كانت فاضية تقريبًا.
مجرد ختم.
والختم كان باسم عيادة مختلفة تمامًا.
الدكتور سامح قرب الورقة من عينه.
وقال
العيادة دي قفلت من سنين.
أبويا بص له.
يعني إيه؟
الدكتور ما ردش.
كان بيقلب في باقي الأوراق بسرعة.
وفجأة وقف.
فين باقي الملف؟
جدتي قالت
ده كل اللي عندي.
الدكتور رفع عينه.
لأ.
وأشار إلى رقم مكتوب أسفل الصفحة.
الملف ده كان المفروض يبقى فيه ملحق.
أبويا سأل
ملحق إيه؟
الدكتور سامح قال
نتيجة فحص مهم.
جدتي قامت من مكانها.
كفاية بقى.
لكن أبويا منعها بإشارة من إيده.
لا.
صوته كان مختلف.
المرة دي هنكمل.
سكتت جدتي.
وأنا كنت قاعدة على الكرسي، أراقبهم.
وفجأة افتكرت حاجة.
رفعت إيدي.
أبويا بصلي.
فاكرة حاجة؟
قلت
أنا شفت الورقة دي قبل كده.
جدتي بصتلي بسرعة.
قلت
كانت في صندوق خشب.
أبويا سأل
فين الصندوق؟
بصيت لجدتي.
عند تيتا.
وش جدتي اتغير.
الدكتور لاحظ.
وقال بهدوء
الصندوق ده فين؟
جدتي ردت
مفيش صندوق.
لكن أنا قلت
فيه.
وسكتُّ لحظة.
ثم أضفت
والمفتاح بتاعه كان دايمًا متعلق في سلسلة في رقبة تيتا.
أبويا بص لجدتي.
الدكتور بص لأبويا.
أما جدتي
فكانت ساكتة تمامًا.
ولأول مرة، شفت في عينيها حاجة غير الغضب.
شفت خوف.
لكن قبل ما أبويا يسألها عن الصندوق، تليفونه رن.
بص للشاشة.
رقم غريب.
رد
ألو؟
جاله صوت رجل كبير في السن.
أبويا سكت وهو بيسمع.
وبعد ثواني، ملامحه اتغيرت.
قال
حضرتك تعرف بنتي؟
سكت.
وبعدين قال
إنت مين؟
الصوت رد بحاجة خلت أبويا يقوم واقف فجأة.
الدكتور سامح قرب منه.
أبويا أنهى المكالمة.
وبصلي.
ثم قال جملة واحدة
الراجل ده قال إنه كان يعرفك قبل ما تيتا تاخدك تعيشي معاها.
جدتي وقفت مكانها.
والدكتور سأل
وقال إيه كمان؟
أبويا بص لجدتي.
قال إن فيه حاجة حصلت يوم ما اتقفلت الدعامة لأول مرة.
جدتي قاطعته
هو كداب.
لكن أبويا رد بهدوء
الغريب إنه قال نفس التاريخ المكتوب على الورقة.
العيادة كلها سكتت.
وأنا بصيت للدعامة المقطوعة قدامي.
ولأول مرة بدأت أسأل نفسي
لو القفل ماكانش معمول علشان يمنعني أهرب
يبقى كان معمول علشان يمنعني من إيه؟أبويا حط التليفون على المكتب، لكنه ماقعدش.
فضل واقف مكانه، وعينيه ثابتة على جدتي.
عايز أفهم حاجة واحدة بس إيه اللي حصل في اليوم ده؟
جدتي قربت من الشباك، وفضلت تبص للخارج.
إنت كنت صغير ومش فاكر.
أبويا رد
أنا مش بسأل عن اللي أنا فاكره. أنا بسأل عن بنتي.
الدكتور سامح فتح الملف من جديد، وبدأ يراجع الصفحات واحدة واحدة.
وفجأة قال
استنى.
أشار إلى توقيع في أسفل إحدى الصفحات.
التوقيع ده مش توقيع طبيب.
أبويا قرب منه.
أمال توقيع مين؟
الدكتور هز رأسه.
مش عارف لكن فيه حاجة أغرب.
قلب الصفحة.
كان فيه ختم صغير في الركن.
وتحته رقم هاتف مكتوب بالقلم.
الدكتور أخرج موبايله وقال
الرقم ده مش تابع للعيادة.
جدتي التفتت بسرعة.
سيب الورق ده.
الدكتور رفع عينه.
ليه؟
لأنه قديم.
أبويا قال
قديم لدرجة إنك خايفة حد يتصل بصاحبه؟
جدتي ما ردتش.
الدكتور كتب الرقم في هاتفه، لكنه ما اتصلش.
بدل كده، سألني
إنتِ قلتي إن الصندوق موجود في بيت جدتك، صح؟
هزيت راسي.
أيوه.
وكنتِ بتشوفيه فين؟
فكرت شوية.
في أوضة جدتي.
أبويا سأل
كان مقفول؟
قلت
دايمًا.
ثم تذكرت شيئًا.
بس مرة كان مفتوح.
جدتي استدارت نحوي فورًا.
إمتى؟
صوتها كان سريعًا لدرجة خوفتني.
أبويا لاحظ.
خليها تتكلم.
بصيت لجدتي، وبعدين لأبويا.
من كام شهر لما كنت بدور على الكراسة بتاعتي.
الدكتور سأل
وشوفتي إيه جوه؟
قلت
صور.
جدتي غمضت عينيها.
صور لمين؟
قلت
ليّا.
أبويا اتنفس ببطء.
صورك إنتِ؟
هزيت راسي.
بس مش الصور اللي عندنا.
الدكتور سأل
يعني إيه؟
قلت
كنت صغيرة جدًا فيها.
أبويا سأل
قد إيه؟
فكرت.
يمكن سنتين.
الصمت رجع تاني.
جدتي قالت
أطفال بيحبوا يتخيلوا حاجات.
لكن أبويا ما بصش لها.
كان باصصلي أنا.
كان فيه حد تاني في الصور؟
هزيت راسي.
أيوه.
مين؟
قلت
ست مش عارفاها.
الدكتور سامح سأل بهدوء
وشكلها؟
غمضت عيني أحاول أفتكر.
كانت لابسة فستان أزرق.
جدتي فجأة قالت
كفاية.
أبويا لف لها.
ماما.
لكنها ما ردتش.
الدكتور أغلق الملف.
وقال
أنا شايف إن الموضوع محتاج مراجعة كاملة.
أبويا سأله
مراجعة لإيه؟
الدكتور بص ناحية الدعامة.
لتاريخ إصابتها ولسبب وجود القفل وللأوراق اللي اتخبّت.
ثم أضاف
والأهم، لازم نعرف مين الست اللي في الصور.
جدتي مدت إيدها وأخذت شنطتها.
قالت
أنا همشي.
أبويا وقف قدام الباب.
لو سمحتي محدش هيمشي دلوقتي.
جدتي بصت له طويلاً.
وبعدين قالت بصوت هادي جدًا
لو فتحت الصندوق مش هتقدر ترجع اللي هتعرفه.
أبويا سأل
إيه اللي جواه؟
جدتي ما ردتش.
لكنها فتحت شنطتها ببطء
وأخرجت مفتاحًا صغيرًا.
نفس المفتاح اللي كنت بشوفه متعلق في رقبتها طول السنين.
حطته على المكتب.
وقالت
الصندوق مش في البيت.
أبويا سأل
أمال فين؟
جدتي رفعت عينيها نحوي.
وقالت
في المكان اللي بدأت منه الحكاية كلها أبويا فضل باصص لجدتي، وكأنه مستني منها أي كلمة تفسر اللي سمعه.
المكان اللي بدأت منه الحكاية كلها؟
جدتي ردت بهدوء
أيوه.
الدكتور سامح سأل
إيه المكان ده؟
لكنها تجاهلته.
ومدت إيدها ناحية المفتاح.
لو عايز تعرف الحقيقة خد المفتاح.
أبويا ما لمسوش.
فين الصندوق؟
جدتي قالت
في بيت قديم على أطراف القرية.
الدكتور سامح سأل
بيت مين؟
جدتي سكتت لحظة.
ثم قالت
بيت والدك.
أبويا اتجمد.
أبويا؟
هزت رأسها.
أبوك كان مخبي
لمحة نيوز