كان عندي 10 سنين

قربت من الباب.
وفجأة لاحظت ورقة صغيرة محشورة في المفصلة.
سحبتها.
كان مكتوب عليها
النتيجة لم تكن المشكلة المشكلة كانت في الشخص الذي قرأها.
أبويا قال
مين قرأها؟
مريم بصت له.
ثم للورقة.
وقالت
الشخص اللي كتب طلب نقل الرعاية.
جدتي بدأت تبكي بهدوء.
وأنا بصيت لها.
تيتا إنتِ اللي طلبتي نقل الرعاية؟
هزت رأسها.
أيوه.
ليه؟
مسحت دموعها.
وقالت
لأني كنت فاكرة إن ده هيحميكي.
ثم سكتت لحظة.
لكن بعد ما قريت النتيجة فهمت إن الخطر الحقيقي مش كان عليكي.
سألتها
أمال كان على مين؟
رفعت عيني لي.
وقالت
كان على أبوكي.
أبويا اتجمد.
وفي اللحظة نفسها، سمعنا صوت ورقة بتتزحلق من تحت باب الغرفة.
مريم التقطتها.
كانت صورة أشعة قديمة.
وعلى ظهرها جملة واحدة
اسألوا والد الطفلة لماذا لم يخبركم بالحقيقة أبويا فضل ساكت وقت طويل.
الدكتور سامح أخد صورة الأشعة من إيده، وقعد يقارنها بالورق الموجود في الملف.
إنت كنت هنا يوم الفحص الأول؟
أبويا هز راسه.
أيوه.
وقريت النتيجة؟
المرة دي ما ردش.
مريم قالت بصوت هادي
قول لهم يا محمود.
أول ما سمعت اسمه، بصيت لأبويا.
عمري ما سمعت حد يناديه بالطريقة دي.
أبويا أخد نفس طويل وقال
أنا قريت النتيجة بس ما فهمتش معناها.
الدكتور سامح سأله
إيه اللي اتقالك وقتها؟
قال
قالولي إن البنت محتاجة متابعة، وإن فيه قرار لازم يتاخد بعد ظهور باقي الأوراق.
مين قالك؟
أبويا رفع عينيه ناحية جدتي.
جدتي نزلت رأسها.
فهمت من نظراتهم إن الحكاية أقدم بكتير مما كنت متخيلة.
لكن قبل ما حد يتكلم، سمعنا صوت مفتاح بيتحط في باب المستشفى.
كلنا سكتنا.
مريم قربت من الباب وبصت من الزجاج.
في حد داخل.
الدكتور سامح قال
ممكن يكون حارس المكان.
لكن مريم هزت رأسها.
المستشفى مقفولة من سنين مفيش حارس هنا.
الصوت قرب.
خطوات بطيئة.
وبعدين ظهر شخص عند آخر الممر.
كان ماسك ملف بني قديم.
وقف تحت النور، وفضل يبص علينا من بعيد.
أبويا قال فجأة
أنا أعرفه.
اتصدمنا.
مين ده؟
أبويا ما ردش.
الرجل قرب خطوة وقال
كنت مستني اليوم ده من سنين.
مريم اتقدمت ناحيته.
إنت؟
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
أيوه وأنا جاي أرجع حاجة اتاخدت منكم زمان.
فتح الملف.
وأخرج ورقة صفراء.
كانت نفس الورقة اللي كنا بندور عليها.
الدكتور سامح مد إيده.
لكن الرجل منعها.
مش هنا.
وسألته مريم
فين؟
قال
في المكان اللي بدأت منه الحكاية.
ثم بص لأبويا مباشرة.
البيت القديم.
أبويا قال
إنت ليه رجعت دلوقتي؟
الرجل رد
لأن صاحبة الصورة عرفت إنكم وصلتوا للحقيقة.
مريم اتغير لون وشها.
صاحبة الصورة؟
الرجل بص ناحيتي.
وقال
مش الست اللي في الصورة.
سكت لحظة.
أنا أقصد البنت اللي كانت واقفة جنبها.
قلبي وقف تقريبًا.
الصورة اللي كنا لقيناها
كان فيها مريم، وأنا صغيرة، وست تانية كنت فاكرة إنها أمي.
لكن مين كانت البنت التانية؟
الرجل مد إيده بالورقة ناحيتي.
وقال
اسمك الحقيقي مكتوب هنا.
قبل ما ألمس الورقة، أبويا وقف بيني وبينه.
وقال بصوت حاسم
لا.
أول مرة أشوف أبويا خايف بالشكل ده.
والأغرب
إن الرجل ابتسم وقال
كنت عارف إنك هتقول كده.
ثم قلب الورقة.
وكان مكتوب على ظهرها
لا يُكشف الاسم إلا أمام والد الطفلة لأنه الوحيد الذي يعرف لماذا تغيّر أبويا فضل واقف قدامي، كأنه بيحاول يمنعني من قراءة حاجة هو نفسه مش قادر يواجهها.
الرجل الغريب قال بهدوء
ليه خايف عليها تعرف اسمها؟
أبويا رد بسرعة
أنا مش خايف.
أمال إيه؟
سكت.
الدكتور سامح مد إيده وقال
خلينا نشوف الورقة الأول، وبعدها كل واحد يقول اللي عنده.
أبويا أخيرًا اتحرك خطوة للجانب.
أخدت الورقة.
إيدي كانت بتترعش.
فتحتها ببطء
وكان في أول السطر اسم مكتوب بخط قديم.
قرأت أول حرفين، وبعدها وقفت.
الاسم كان مختلف فعلًا.
مش اسمي اللي عشته طول عمري.
رفعت عيني لأبويا.
إيه ده؟
ما ردش.
جدتي بدأت تبكي في صمت.
مريم قربت مني وقالت
متستعجليش الاسم لوحده مش معناه إن حياتك كلها كانت كذبة.
قلبت الورقة.
في آخر الصفحة كان فيه تاريخ.
نفس تاريخ الليلة اللي اتقال لنا إنها كانت بداية كل حاجة.
وتحت التاريخ جملة واحدة
تم تسجيل الطفلة باسم جديد بناءً على طلب والدها.
حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
بصيت لأبويا
إنت اللي طلبت؟
أبويا غمض عينيه.
أيوه.
صرخت
ليه؟!
لكن قبل ما يجاوب، الرجل الغريب فتح الملف اللي معاه، وطلع منه صورة قديمة.
حطها قدامنا.
كانت صورة للبيت القديم.
وفي شباك الدور التاني، ظهر شخص واقف.
جدتي قربت من الصورة، وبمجرد ما شافتها قالت
لا مستحيل.
الدكتور سامح سألها
إنتِ تعرفي الشخص ده؟
جدتي فضلت ساكتة.
الرجل قال
هي تعرفه.
ثم بص لأبويا.
وإنت كمان.
أبويا أخذ الصورة بإيد مرتعشة.
وفجأة قال
ده مش ممكن يكون هنا
مريم سألت
مين؟
أبويا ما ردش.
فالرجل هو اللي قال الاسم
الراجل اللي كان المفروض يمضي على أوراق نقل الرعاية.
الصمت نزل على المكان.
ثم أضاف
والراجل ده اختفى قبل ما يمضي.
الدكتور سامح قرب من الصورة.
يعني كل الأوراق اللي اتعملت بعد كده
الرجل قاطعه
كانت مبنية على غيابه.
بصيت لأبويا.
وإنت كنت عارف؟
قال بصوت مكسور
كنت عارف جزء.
أي جزء؟
فضل ساكت.
ثم مد إيده ناحية الورقة اللي في إيدي.
وقال
كنت عارف إن اسمك اتغير لكن ما كنتش عارف إنهم احتفظوا بالاسم القديم في ملف المستشفى.
مريم فجأة فتحت عينيها وقالت
استنى لو الاسم القديم موجود في الملف، يبقى فيه سجل تاني.
الدكتور سامح فهم قصدها.
رجع ناحية الخزانة القديمة، وبدأ يقلب الملفات.
بعد دقائق، سحب ملفًا رفيعًا جدًا من آخر الدرج.
كان عليه رقم
31ب
فتحناه.
أول صفحة كانت فاضية.
الثانية فاضية.
الثالثة كان عليها ختم قديم.
وفي أسفلها اسم الشخص اللي كان واقف في صورة البيت.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر الصفحة.
كان فيه توقيع أبي.
وبجانبه عبارة قصيرة
أوافق على تغيير الاسم حفاظًا على مستقبل الطفلة بشرط ألا تعرف السبب إلا عندما تبلغ السن المناسب.
رفعت عيني لأبويا.
إيه السبب؟
أبويا فضل ساكت.
وفجأة
جدتي قالت
لأن أمك كانت بتدور عليكي.
الكل بص لها.
وأبويا اتغير وشه.
مريم قالت
إنتِ قلتي إن أمها اختفت.
جدتي مسحت دموعها وقالت
أنا قلت لكم إنها اختفت لكن الحقيقة إنها كانت بتحاول توصل لها.
سألتها
يعني أمي كانت عايشة؟
جدتي ما جاوبتش.
لكن أبويا هو اللي قال
كانت.
الكلمة وقعت عليّ كأنها باب اتفتح فجأة على مكان مظلم.
وقبل ما أقدر أسأل أي سؤال
سمعنا صوت ورقة بتتحرك جوه الدرج.
الدكتور سامح سحب الدرج بالكامل.
وكان تحته تجويف صغير.
وفيه ظرف أبيض جديد نسبيًا.
مكتوب عليه بخط واضح
إلى ابنتي عندما تعرفين أن والدك أخفى الحقيقة.
وتحتها
اسم أمي الظرف فضل قدامنا ثواني، ومحدش كان قادر يمد إيده.
أبويا قرب منه، لكن مريم سبقته وخدته.
بصت لاسمي المكتوب عليه، وبعدها قالت
الخط ده أنا أعرفه.
سألتها وأنا حابسة أنفاسي
خط أمي؟
هزت رأسها ببطء.
أيوه.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة بس.
كان أول سطر فيها
أنا ما اختفيتش بإرادتي.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
مريم كملت القراءة بصوت مسموع
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أبوكي اضطر يقول لك جزء من الحقيقة، لكن لسه فيه جزء أخطر مخبيه عنك.
بصيت لأبويا.
وشه كان شاحب.
ليه؟
ما ردش.
كملت مريم
في الليلة اللي اتغير فيها اسم بنتي، ما كانش الخوف من مرض ولا من خطر عليها.
سكتت.
ثم قرأت السطر اللي بعده
الخوف كان من الورقة اللي كانت في إيد والدها.
الدكتور سامح بص لأبويا.
إيه الورقة دي؟
أبويا أخيرًا اتكلم
أنا ما كنتش لوحدي الليلة دي.
مين كان معاك؟
سكت.
مريم قربت منه وقالت
محمود كفاية.
أبويا غمض عينيه.
كان فيه حد تاني.
قلت
مين؟
قبل ما يجاوب، انطفأت أنوار الممر كلها.
فضلنا في ظلام كامل.
سمعنا صوت حاجة وقعت في آخر الممر.
الدكتور سامح شغل كشاف موبايله، واتجه ناحية الصوت.
ولما النور وصل للأرض
ظهر ظرف تاني.
لكن المرة دي كان مكتوب عليه
للشخص الذي غيّر الاسم.
أبويا قرب منه.
وقف قدامه.
وبدل ما يفتحه
قال بصوت واطي
أنا كنت فاكر إن الظرف ده ضاع من سنين.
مد إيده، لكن قبل ما يلمسه، سمعنا صوت رسالة على هاتف مريم.
فتحت الموبايل.
رسالة من رقم مجهول
لو فتح والدها الظرف هتعرفوا ليه جدتها استخدمت القفل.
رفعت مريم عينيها لجدتي.
جدتي كانت بتبص للأرض.
قلت لها
القفل كان ليه علاقة بالاسم؟
رفعت رأسها ببطء.
وقالت
القفل ما كانش علشان يمنعك تتحركي.
سكتت لحظة.
كان علشان يمنع حد ياخد منك حاجة.
إيه؟
بصت لأبويا.
شهادة ميلادك الأصلية.
أبويا اتنفس بصعوبة.
والدكتور سامح قال
يعني الشهادة كانت مع مين؟
جدتي ردت
معايا.
قلت
وليه؟
قالت وهي بتبكي
لأن أمك كانت بتحاول تثبت إن الاسم اللي اتسجل بيه مش اسمك الحقيقي.
في اللحظة دي، أبويا أخيرًا فتح الظرف.
خرجت منه صورة صغيرة جدًا.
وفي ظهرها تاريخ.
نفس التاريخ.
لكن الصورة كانت لورقة رسمية، وفي أسفلها توقيع شخص واحد.
مريم قربت منها.
وفجأة قالت
التوقيع ده مش توقيع والدك.
بصيت لأبويا.
قال
عارف.
مين وقّع؟
رفع عينيه ناحيتي.
ولأول مرة من بداية الليلة، قال الحقيقة كاملة
الست اللي كانت صاحبة البيت اللي اتولدتي فيه.
سألته
هي مين؟
أبويا ما جاوبش.
لكن جدتي قالت
اسمها ليلى.
مريم شهقت.
ليلى؟
الدكتور سامح سأل
إنتِ تعرفيها؟
مريم هزت رأسها.
أنا قابلتها قبل ما تختفي.
ثم بصت للصورة مرة تانية.
بس المشكلة إن ليلى كانت ميتة قبل التاريخ المكتوب على الورقة.
ساد الصمت.
وأنا بصيت للصورة
ثم للتاريخ
وفهمت إن اللغز الحقيقي ما كانش
مين غيّر اسمي؟
لكن كان
مين كان بيوقّع باسم شخص مات قبل ما الورقة تتكتب؟فضلنا واقفين في الممر، وكل واحد فينا بيحاول يستوعب اللي اتقال.
مريم كانت أول واحدة تتحرك.
خدت الصورة من إيدي، وقربتها من نور الموبايل، وقالت
استنوا فيه حاجة هنا.
الدكتور سامح قرب منها.
إيه؟
أشارت لأسفل الصورة.
التاريخ مكتوب بقلم مختلف عن باقي البيانات.
أبويا مد إيده.
هاتيه.
مريم منعته.
لأ.
بصت له مباشرة.
المرة دي هنقرأ كل حاجة قبل ما أي ورقة تختفي.
أبويا سكت.
قلبت مريم الصورة، وكان في ظهرها رقم صغير مكتوب بالقلم الرصاص
٧٣١
الدكتور سامح قال
سبعة واحد وثلاثين ده مش رقم غرفة.
مريم ردت
يمكن رقم سجل.
وفجأة جدتي قالت
لأ.
كلنا بصينا لها.
قالت
ده تاريخ.
سألتها
تاريخ إيه؟
جدتي قربت من الصورة، وصوتها بدأ يرتجف.
اليوم اللي أخدناكي فيه من البيت.
أبويا انتفض.
ماما!
جدتي بصت له وقالت
كفاية يا محمود البنت عرفت أكتر من اللازم علشان نفضل ساكتين.
ثم التفتت لي.
في اليوم ده، أمك كانت موجودة.
حسيت بقلبي بيجري.
فين؟
في البيت القديم.
وأبويا؟
سكتت.
مريم سألتها
ومين كان معاها؟
جدتي قالت
ليلى.
الدكتور سامح استغرب.
لكن ليلى كانت صاحبة البيت.
جدتي هزت رأسها.
كانت صاحبة البيت وصاحبة السر كمان.
أبويا قال بصوت منخفض
هي ما كانتش صاحبة السر.
جدتي بصت له.
أمال مين كان؟
أبويا ما ردش.
في اللحظة دي، الرجل الغريب اللي كان واقف بعيد اتحرك ناحية باب المستشفى.
مريم نادته
رايح فين؟
قال
أنا عملت اللي عليا.
الدكتور سامح سأله
إنت جبت الملف ليه؟
ابتسم وقال
علشان أعرفكم إن الحقيقة لسه موجودة.
ثم خرج.
جريت ناحية الباب، لكن مريم مسكت إيدي.
سيبيه.
ليه؟
قالت
هو مش عايز نهرب وراه هو عايزنا نروح لمكان تاني.
رجعت بصيت لأبويا.
كان واقف قدام الخزانة، وعينيه على الملف القديم.
قلت له
إنت عارف المكان.
هز رأسه.
أيوه.
فين؟
اتردد.
ثم قال
المخزن اللي جنب الورشة.
الدكتور سامح سأله
ليه؟
أبويا رد
لأن بعد الليلة دي حطيت فيه كل حاجة تخصك.
مشينا ناحية الباب.
لكن قبل ما نخرج، سمعت صوت جدتي من ورايا
استني.
لفيت.
كانت ماسكة المفتاح الصغير اللي لقيناه من البداية.
مدتهولي.
وقالت
المرة دي إنتِ اللي لازم تفتحي.
أخدت المفتاح.
وبصيت له.
كان عليه نفس الرمز الموجود على الصندوق القديم.
وصلنا للمخزن بعد وقت قصير.
أبويا فتح الباب.
المكان كان مليان صناديق خشب وأوراق قديمة.
اتجه مباشرة لصندوق صغير في الركن.
فتحه.
كان فاضي.
أبويا اتجمد.
مش موجود.
الدكتور سامح سأله
إيه اللي كان هنا؟
قال
شهادة ميلادك القديمة وصورة لأمك والورقة اللي غيرت كل حاجة.
قلت
مين أخدهم؟
ما حدش رد.
وبعدين شفت حاجة على الأرض.
ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها.
كان مكتوب
لو وصلتوا للمخزن، يبقى والدك قال لكم عن الصندوق. لكن الصندوق عمره ما كان فيه الحقيقة كاملة.
وتحتها عنوان.
عنوان بيت.
مريم قرأت العنوان، وفجأة اتغيرت ملامحها.
ده بيت ليلى.
أبويا قال
ليلى ماتت.
مريم ردت
يمكن.
وبصت للورقة مرة تانية.
لكن اللي كتب الرسالة دي كان عايزنا نروح هناك.
ثم قلبت الورقة.
وفي الخلف كان فيه سطر واحد
اسألوا أمك عن الاسم اللي لم يُكتب أبدًا.
سألت بصوت مرتجف
بس أمي فين؟
وفجأة
سمعنا صوت طرق خفيف على باب المخزن.
ثلاث خبطات.
ثم صوت امرأة من الخارج
أنا عارفة إنكم جوه.
أبويا اتجمد مكانه.
جدتي شهقت.
ومريم بصت لي.
لأن الصوت
كان نفس الصوت اللي كنت فاكرة إني نسيته من وأنا
طفلة الصوت جه من برّه تاني
محمود افتح.
أبويا قرب من الباب، لكن إيده فضلت معلقة في الهواء.
قال بصوت مخنوق
إنتِ؟
جاء الرد
أيوه.
فتحت جدتي الباب.
الست اللي كانت واقفة قدامنا كانت كبيرة في السن، وشعرها أبيض، وفي إيدها شنطة جلد قديمة.
بصت لي طويلًا.
وبعدين قالت
كبرتي.
أنا اتجمدت.
إنتِ مين؟
الست بصت لأبويا وقالت
قول لها.
أبويا ما قدرش.
فهي قالت
أنا كنت ممرضة في المستشفى اللي اتولدتي فيها.
الدكتور سامح قرب منها.
إنتِ كنتِ موجودة ليلة الفحص؟
هزت رأسها.
كنت موجودة ليلة الفحص وليلة اختفاء أمها.
الجملة الأخيرة خلت المكان كله يسكت.
فتحت شنطتها، وأخرجت ورقة قديمة مطوية بعناية.
دي كانت معايا من سنين.
مدتها لي.
فتحتها.
كانت صفحة من سجل المستشفى.
وفيها اسم أمي.
وتحت اسمها ملاحظة
رفضت التوقيع على تغيير اسم الطفلة.
بصيت لأبويا.
يعني أمي رفضت؟
قال
أيوه.
الست كملت
أمك كانت مصممة تاخدك معاها، وكان معاها مستند يثبت حقها.
وإيه اللي حصل؟
سكتت.
ثم قالت
في نفس الليلة، حصل خلاف كبير على الورق وبعدها اختفت.
اختفت فين؟
قالت
ما أعرفش.
مريم سألتها
طب ليه فضلتِ محتفظة بالورقة كل السنين دي؟
ردت
لأني وعدتها.
وعدتها بإيه؟
بصت لي.
إنك لو كبرتي يومًا وسألتي عن الحقيقة، أديكي الورقة.
فتحت الشنطة مرة تانية، وأخرجت ظرفًا صغيرًا.
وده كان آخر شيء تركته أمك.
فتحته.
جواه مفتاح.
مفتاح عادي، لكن متعلق به ورقة صغيرة مكتوب عليها
المكان الوحيد الذي لم يعرفه محمود.
أبويا أول ما قرأ الجملة، قال
أنا عارفه.
كلنا بصينا له.
قال
المخزن اللي ورا البيت القديم.
الدكتور سامح سأله
إنت قلت إنك حطيت كل حاجة في المخزن.
أبويا هز رأسه.
المخزن اللي قلت لكم عليه مش هو ده.
وصلنا للبيت القديم قبل الفجر بقليل.
أبويا فتح بابًا صغيرًا خلف المطبخ، عمرنا ما كنا لاحظناه.
وراءه ممر ضيق انتهى بغرفة صغيرة.
في منتصف الغرفة كان فيه مكتب خشب.
وعليه صندوق معدني.
المفتاح فتحه.
جواه ورقة واحدة وصورة.
الصورة كانت لأمي وأنا رضيعة.
وعلى ظهرها مكتوب
أنا لم أتركك والدك أنقذك، لكنه أخطأ عندما صدّق أن إخفاء الحقيقة سيحميك.
بصيت لأبويا.
بدأ يبكي.
وقال
أمك ما ماتتش قدامي أنا بس ما قدرتش أوصل لها.
ثم أخرج من جيبه ورقة قديمة.
بعد اختفائها، وصلني جواب منها.
فتح الورقة.
وكان مكتوب
لو اضطررت أختفي، لا تغيّر اسمها. الاسم هو المفتاح.
سألته
وإنت غيرته ليه؟
قال
لأن الشخص اللي كان بيدور عليك عرف اسمك الحقيقي وأنا خفت ياخدك.
مين الشخص ده؟
أبويا بص للصورة.
ثم قال
الشخص اللي كتب كل الأوراق المزورة.
الدكتور سامح سأل
وعرفت مين هو؟
أبويا هز رأسه.
عرفته بعد سنين.
مين؟
أبويا رفع عيني ناحيتي.
وقال
جدتك.
سقط الصمت.
جدتي ما أنكرتش.
لكنها قالت
أنا ما زورتش الأوراق علشان أضرك.
سألتها
أمال ليه؟
قالت وهي تبكي
لأني كنت فاكرة إن أمك هتاخدك بعيد، وإن الشخص اللي كان بيدور عليك هيستخدمك علشان يوصل لحاجة كانت مع أبوكي.
إيه الحاجة؟
جدتي بصت للصندوق.
الحقيقة.
الدكتور سامح قال
الحقيقة إيه؟
جدتي ردت
إن أمك كانت صاحبة الحق القانوني في رعايتك وإن تغيير الاسم كان مؤقتًا، لكنه استمر سنين بسبب خوفي.
بصيت للورقة الأخيرة.
كان فيها عنوان واحد.
عنوان مكان ما أعرفوش.
وفي أسفلها جملة
لو كنتِ تقرئين هذا الآن، فمعناه أنني فشلت في العودة إليك لكنك أخيرًا وصلتِ للحقيقة.
وتحت الجملة كان اسم أمي.
لأول مرة، ما بقيتش بدور على شخص ألومه.
لأول مرة فهمت إن كل اللي حصل بدأ بخوف، وكبر بسبب السكوت، وتحول إلى أسرار.
والقفل اللي فضل ملازمني وأنا طفلة
ما كانش أقوى شيء في الحكاية.
أقوى شيء كان السر.
وفي الصباح، قدمنا كل الأوراق للجهات المختصة، وتم تصحيح بياناتي رسميًا، واتفتح الملف القديم من جديد.
أما أمي
فما عرفناش مكانها.
لكن بعد أسابيع، وصلني خطاب بدون اسم مرسل.
جواه صورة قديمة لي وأنا طفلة.
وعلى ظهرها أربع كلمات فقط
أنا كنت أتابعك دائمًا.
ومن يومها، ما عدتش أخاف من الماضي.
لأن الماضي مهما اتقفل عليه
الحقيقة في يوم من الأيام بتلاقي مفتاحها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *