الجراح فى بطنى
الج*رح في بطني كان بيلسعني مع كل خطوة، وغرز العملية بتصرخ تحت الهدوم. كان فات اتناشر يوم بس على خروجي من أوضة العمليات، بس ماكانش ينفع أقعد في السرير دقيقة واحدة زيادة.
فردت ضهري، رفعت راسي، ومشيت بثبات في طرقة مبنى الشركات الفخم.
على صدري كان “حمزة” نايم في الشيالة الكحلي، وصوت نَفَسُه المنتظم هو الحاجة الوحيدة اللي بتديني قوة. وفي إيدي التانية… كنت ماسكة ملف أسود تقيل. ملف فيه كل كلمة، وكل جنيه، وكل خطوة فاكر جوزي إنه حفرها في الضلمة وماحدش دريان بيها.
بس السؤال اللي كان بياكل عقلي وأنا بقرب من الباب: مين اللي جمعلي كل البلاوي دي وبعتهالي في سرية تامة؟
أنا العقيد “مريم الشناوي”.. وده كان اليوم اللي هديت فيه العرش اللي جوزي بناه على حساب كرامتي ودمي.
فتحت باب قاعة الاجتماعات المكيفة اللي بتطل على برج القاهرة ووسط البلد.
شريف كان قاعد في وشي، متأنق ببدلته الكحلي اللي شاربها من فلوس شغلي، وعلى وشه رسمة غرور مستفزة. وجنبه “فريدة”.. المستشارة القانونية اللي كان بيحلفلي إنها “مجرد زميلة”، وهي قاعدة حاطة إيدها بثقة على بطنها المنتفخة بحملها منه!
سحب أوراق الطلاق والتنازل ناحيتي، وخبط بصوابعه على الترابيزة الرخام:
– “وقعي يا مريم.. بلاش تطوليها وهي قصيرة. خدمتك العسكرية خلاص اتأثرت بالولادة والإجازات، وأنتي مش هتعرفي تربي ولد لوحدك ولا هترجعي لمنصبك تاني.”
فريدة بصتلي بابتسامة متصنعة وقالت بنبرة ناعمة زي السُم:
– “أنتي تستاهلي ترتاحي يا مريم.. سيبيه يبدأ حياته بقى.”
بصيت لوش حمزة الصغير اللي غرقان في النوم.. هو لسة مش فاهم إن أبوه باعه وسرق حقه قبل ما يكمل أسبوعين في الدنيا.
ضغطت بإيدي على حافة الملف الأسود وقلت بنبرة هادية جداً.. بس تقيلة زي الرصاص:
– “أنا مش جاية أترجى، ولا جاية أجادل.. أنا جاية أقفل الحساب القديم والجديد.”
شريف ضحك بصوت عالي وهو بيهز راسه:
– “أخيراً! أهو ده أذكى قرار أخدتيه من شهور.”
ماكانش فاهم إن الهدوء ده.. هو الهدوء اللي بيسبق الإعصار.
قبل اليوم ده باتناشر يوم بالظبط، كنت في المستشفى العسكري. وجع الطلق كان بيقطع في جسمي ورحمي بنزيفه. مسكت التليفون وإيدي بتترعش، اتصلت بشريف خمسة وعشرين مرة..
ما ردش ولا مرة!
وبعد ساعات من الوجع، جالي منه مسج قصير:
– “عندي اجتماع مهم مش هعرف أجي.. بلاش دراما وتمثيل.”
الممرضات في المستشفى العسكري هما اللي كانوا ماسكين إيدي وأنا بولد حمزة، وزمايلي الظباط وقفوا برة غرفتي يحرسوني لحد ما الشمس طلعت.
وشريف؟ ما جاش.. ولا حتى كلف نفسه يسأل إذا كنت عايشة ولا مت.
تاني يوم الصبح، رقم مجهول بعتلي أول خيط.. صورة من جناح فندق فخم، عصير، وساعة شريف محطوطة على الكومودينو، وفريدة واقفة بتتجمّل قدام المراية.
ما صرختش.. ما اتصلتش بيه أعاتبه. حفظت الصورة بس.
ومن اللحظة دي، بدأت الأدلة تتقاطر وتجيلي واحدة ورا التانية من نفس المصدر المجهول: فواتير فنادق، تذاكر طيران، تحويلات بنكية مشبوهة، وتقارير مصاريف مسروقة من الشركة.
جمعت كل ورقة في الملف الأسود.
شغلي في المخابرات العسكرية علمني قاعدة ذهبية: “أوعى تكشف سلاحك لعدوك… غير في اللحظة اللي هتسدد فيها الضربة القاضية.”
نرجع للقاعة.. شريف خبط على أوراق التنازل وقال بنفاذ صبر:
– “خلصينا بقى ووقعي!”
ابتسمت ابتسامة خفيفة وصغيرة جداً.. هو نسي أنا مين قبل ما أكون مراته. نسي إن الأدلة هي اللي بتكسب المعارك، مش الزعيق والدموع.
أنا ما جيتش لوحدي.. أنا طلبت حضور الناس اللي واقفين برة الباب دول: المستشار القانوني للشركة، ممثلة مجلس الإدارة، والمراجع المالي المستقل.
شريف كان فاكرهم جايين عشان يوثقوا طلاقنا ويتفرجوا على انكساري!
الباب اتفتح.. ودخل المحامي العجوز ومعاه تلات صناديق مقفولة بالشمع الأحمر، وراه رئيسة مجلس الإدارة بملامح حادة، ومدير الرقابة والتفتيش.
ضحكة شريف اختفت من على وشه في ثانية، ولونه بدأ يتغير.
المحامي بصلي بثبات وقال:
– “سيادة العقيد مريم.. مجلس الإدارة جاهز لمراجعة الملفات اللي أبلغتينا بيها.”
شريف بصلي بذهول وهو بيترعش:
– “ملفات إيه؟! أنتوا بتتكلموا عن إيه؟”
ما حدش كلف نفسه يرد عليه.
سحبت الملف الأسود وحطيته في نص الترابيزة الرخام. العيون كلها اتسمرت عليه.
جوة الملف ده، كان فيه مئات المستندات الموثقة: اختلاس أموال، تزوير فواتير، وتدقيق مالي بيثبت إنه كان بيصرف فلوس الشركة على نزواته وخيانته.
فتحت أول صفحة.. والصمت نزل على القاعة زي الجبل.
شريف هسس بصوت مكسور وخايف:
– “مريم…”
– “كل ورقة هنا… متراجعة ومتوثقة رسمياً.”
محاميه مد إيده في محاولة أخيره عشان يمسك الملف، بس رئيسة مجلس الإدارة خبطت على الترابيزة وقالت بصوت يقطع العشم:
– “إياك تلمسه! إحنا اللي هنراجع بنفسنا.”
شريف وشه بقى أبيض زي الملاية:
– “أنتي… أنتي كنتي بتخططي لكل ده؟!”
حضنت حمزة أكتر لصدري وقلتله بنبرة ثلجية:
– “لا يا شريف.. أنت اللي خططت لنهايتك من اللحظة اللي سبت فيها مراتك تموت في أوضة العمليات عشان تروح تقضي سهرة.. أنت فكرتني مجرد ست تعبانة ومكسورة، ونسيت أنا أبقى مين.”
رئيسة المجلس سحبت الملف الأسود وقالت:
– “سيادة العقيد.. تفضلي ابدأي العرض.”
عالم شريف كله كان بيميل وبيقع قدام عينيه.. وقبل ما نعدي الصفحة الأولى، كان عارف إن أيامه في الشركة وفي الحرية خلاص انتهت.
هو كان فاكر إنه كسب المعركة.. بس هل كان جاهز للـ صفحة الأولى