بعد خلفت اربع بنات
كنت منهكة لدرجة إني بالكاد قادرة أفتح عيني. لحد ما سمعت صوت الدكتور: — مبروك… ولد سليم وبصحة كويسة. لفيت ناحية جوزي. وشه نور. كانت عينيه مليانة فرحة. الممرضة نظفت الطفل ولفته، وبعد دقائق قربت من جوزي وحطت ابننا بين إيديه لأول مرة. كنت مستنية أشوفه يعيط من الفرحة. أو يضحك. أو حتى يقول: — أخيرًا. لكنه ما عملش أي حاجة من دول. فضل ساكت. بص للطفل… وبعدين قربه من وشه أكتر.
كان بيدقق في ملامحه بطريقة غريبة. ابتسامته بدأت تختفي بالتدريج. وأنا، رغم تعبي، لاحظت. قلت بصوت ضعيف: — مالك؟ ما ردش. فضل باصص لوش الطفل. مرة لعينيه… ومرة لأنفه… ومرة لشعره. وبعدين رفع عينه وبص لي. النظرة اللي كانت على وشه خلت معدتي تتقبض. الفرحة اللي كانت مالية عينيه من دقايق… اختفت تمامًا. فتح بقه…
وقال جملة خلت قلبي يقع في رجلي…
وقف ينظر إليّ بذهول، وعيناه تتسعان بصدمة لم أجد لها أي تفسير، ثم خرجت كلماته بصوت مبحوح ومرتعد:
— الولد ده… مش شبهي، ولا شبه أي حد من البنات… الطفل ده مش ابننا يا نادية!
نزلت الجملة على رأسي كالصاعقة، شعرت وكأن الغرفة تدور بي، والأنفاس تهرب من صدري. أردت أن أصرخ، أن أصيح فيه وأذكره بكلام الأطباء وتعب السنين، لكن صوتي خرج خافتاً ومجروحاً من شدة الإنهاك:
— أنت بتقول إيه يا محمود؟ أنت تجننت؟ ده ابننا… ابننا اللي استنيته سنين!
لم يستمع إليّ، كان يمسك بالطفل بجمود، وعيناه تصولان وتجولان في تفاصيل وجهه الصغير. الصبي كان أبيض البشرة بملامح حادة وشعر أشقر خفيف، بينما أنا ومحمود نتشارك البشرة الخمرية والشعر الداكن، تماماً كبناتنا الأربع.
بدأت علامات الشك والريبة تنهك ملامحه، وتتحول فرحة عمره في ثوانٍ معدودة إلى كابوس مظلم. قرب الممرضة منه بخوف وقالت تحاول تهدئة الموقف:
— يا أستاذ حمد الله على سلامة المدام، الأطفال في أول دقايق ملامحهم بتتغير، وكتير بياخدوا شبه العائلات والجدود.
لكنه زجرها بنظرة حادة، ورد بصوت مرتفع هز أركان غرفة الولادة:
— أنا عارف شكل عيلتي كويس!
مفيش حد عندنا بالشكل ده خالص! هاتوا الدكتور… نادوا على الدكتور حالاً!
ارتفعت أصواتنا في الغرفة، ودخل الطبيب المتابع على أثر الصراخ. وجد محمود واقفاً في منتصف الغرفة، ممسكاً بالرضيع بطفاسة وحذر، ووجهه يتصبب عرقاً. حاول الطبيب امتصاص غضبه وشرح الأمور بأسلوب علمي:
— يا حاج محمود، الوراثة فيها جينات متنحية، ممكن الملامح تطلع من أجداد الأجداد، ده أمر طبيعي جداً وبيحصل في حالات كتير.
رد محمود وهو يهز رأسه برفض قاطع وصوته يرتجف من الغضب والشبهة:
— أنا مش متقبل الكلام ده، قلبي مش مرتاح… أنا عاوز أعمل تحليل DNA فوراً!
ر-تجف محمود في مكانِه وكأنّ الأرض مادت من تحت قدميه، وتراجعت خطوة إلى الخلف ممسكةً بالصغير لصدر-ي بقوة. النظر بين ملامح تلك السيدة الغريبة وجه محمود الشاحب كان كفيلاً بأن يخبرني أننا على وشك السقوط في هاوية جديدة أشدّ ظلاماً.
ردّ محمود بصوت جاف وهو يحاول استرداد أنفاسه:
— أنتِ مين؟ وعاوزة إيه؟ وعادل إيه اللي ساب وراه حاجة تاني؟ عادل مات من عشرين سنة في السجن!
ابتسمت المرأة ابتسامة ساخرة ملأتها المرارة، ودخلت الشقة بخطوات واثقة دون أن ينتظر إذنًا من أحد.