قعدت شهر كامل في المستشفى
قعدت شهر كامل في المستشفى بين الحياة والمۏت وجوزي، اللي شغال دكتور في نفس المستشفى، ماكلّفش نفسه يطلع يشوفني ولا مرة!
ولما خرجت من المستشفى، كل اللي قالهولي بكل برود
كنت مشغول أوي.
ماجادلتوش.
ماعيطتش.
حطيت دبلة جوازنا فوق تقرير خروجي من المستشفى، واتصلت بمحامية وطلبت منها ترفعلي قضية خلع.
بس هو لسه ماكانش يعرف أنا لقيت إيه في ملف المستشفى.
الجزء الأول
أنا قعدت تلاتين يوم في المستشفى بين الحياة والمۏت وجوزي، اللي شغال جرّاح في نفس المكان، ماطلعش يشوفني ولا مرة.
اليوم اللي خرجت فيه من المستشفى، كنت واقفة بالعافية على رجلي.
لفّيت هدوم المستشفى وحطيتها فوق السرير، وأنا حاسة إن جسمي كله مش بتاعي من كتر التعب.
كنت خسيت حوالي ستة كيلو بعد ما الزايدة الدودية اڼفجرت عندي، واتسببت في التهاب شديد في البطن، ودخلت على إثره في عملية كبيرة وقعدت بعدها في المستشفى فترة طويلة.
وقفت قدام شباك أوضة المستشفى في الدور السابع، وبصيت على الشوارع وهي غرقانة في مطر شتوي تقيل.
الممرضة كانت بتراجع معايا الأدوية وتعليمات الخروج، وبعدين بصتلي بتردد وقالت
هو حضرتك محدش جاي ياخدك يا مدام مريم؟
سكتّ لحظة.
وبعدين سألتني
مش الدكتور كريم جوز حضرتك شغال هنا؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، كإني مش عايزة أتكلم.
آه شغال هنا.
كريم كان من أشهر جراحي القلب في مستشفى كبير في القاهرة، والناس كلها تقريبًا كانت بتتكلم عنه.
دكتور ناجح.
شاطر.
والكل بيحترمه.
وكان شغال في نفس المستشفى اللي أنا كنت محجوزة فيه.
في أول عشرين يوم من مرضي، كان عنده حجة جاهزة.
كان مشارك في مشروع طبي كبير مع وفد أطباء أجانب، وكان فيه إجراءات عزل وتعقيم مشددة حوالين الفريق اللي شغال في المشروع.
وأنا بنفسي كنت بدافع عنه قدام أهلي وصحابي.
كنت بقول
معلش كريم شغله حساس. مش عايزة أكون سبب إنه يخسر شغله أو يعرض حد للعدوى.
كنت كل ما حد يسألني
جوزك مجاش ليه؟
أرد
مشغول وهينزل أول ما يقدر.
كنت مصدقاه.
لحد ما عدّى أول عشرين يوم.
وبعدين حصلت حاجة خلتني أبدأ أشك.
فتحت موقع المستشفى بالصدفة، ولقيت صور لكريم وهو واقف بيضحك مع مجموعة من الدكاترة في حفل عشا مع الوفد الأجنبي.
الصورة كانت منشورة رسمي على صفحة المستشفى.
بعدها بيومين، لقيته طالع في مداخلة تلفزيونية بيتكلم عن المشروع.
وبعدها بكام يوم، ظهر في حفل تكريم جوه المستشفى، واقف على المسرح والناس بتسقفله.
وأنا؟
كنت في نفس المستشفى.
في أوضة لوحدي.
مش عارفة هخرج منها على رجلي ولا على سرير.
ومع ذلك مافيش مرة تليفوني رن باسمه.
ولا حتى رسالة
إنتِ عاملة إيه؟
في اللحظة دي، حاجة جوايا اتكسرت.
بس أنا شغلي كمراجعة جودة في مجال الخدمات الطبية علّمني حاجة مهمة جدًا
قبل ما تحكمي على أي حد راجعي البيانات.
طلعت التابلت وبدأت أدور في لوائح المستشفى والبروتوكول الخاص بالمشروع اللي كريم كان بيشارك فيه.
بعد أقل من خمس دقايق
لقيت البند اللي قلب حياتي كلها.
المفروض إن أعضاء الفريق اللي كانوا في العزل كان مسموحلهم يطلبوا خروج استثنائي لمدة ساعتين في حالات معينة.
مرض خطېر لحد من الأسرة.
عملية طارئة.
أو ۏفاة قريب من الدرجة الأولى.
وكان مسموح لهم يخرجوا بعد موافقة الإدارة، على أن يخضعوا لإجراءات التعقيم قبل الرجوع.
يعني ببساطة
كريم كان يقدر يطلع يشوفني.
مش بس كده.
كان يقدر يطلب إذن رسمي.
وأنا مراتي؟
كنت مريضة في نفس المستشفى.
فتحت سجل طلبات الخروج الاستثنائية، ودوّرت على اسم
دكتور كريم محمود.
النتيجة ظهرت قدامي.
صفر.
مفيش طلب واحد.
ولا مرة.
ولا حتى محاولة.
فضلت باصة للشاشة ثواني طويلة.
هو كان يقدر يطلع.
كان مسموح له.
كان فيه إجراء رسمي معمول مخصوص للحالات دي.
بس هو
اختار ما يطلعش.
والأسوأ من كده؟
بعد انتهاء فترة العزل، كان قدامه عشرة
أيام كاملين.
عشرة أيام يقدر فيهم يركب الأسانسير، وينزل سبع أدوار، ويفتح باب أوضتي ويقول
أنا جيت أطمن عليكي.
لكنه برضه ماعملش.
قفلت التابلت.
وخدت نفس طويل.
ساعتها فهمت إن الموضوع ماكانش شغل.
وماكانش ظروف.
وماكانش ضغط.
كان قرار.
نسخت كل حاجة.
بروتوكول المستشفى.
سجل طلبات الخروج.
مواعيد شغله.
وصور ظهوره في الحفلات والفعاليات خلال الأيام اللي كان بيقول فيها إنه مشغول ومابيقدرش يتحرك.
وبعدين اتصلت بتاكسي.
السواق سألني
على البيت يا مدام؟
بصيت من الشباك وقلت
لأ وديني على مصر الجديدة.
كان عندي واحدة صاحبتي من أيام الجامعة اسمها نهى.
نهى كانت درست حقوق وبقت محامية شاطرة في قضايا الأحوال الشخصية.
أول ما شافتني، وشها اتغير.
قامت من مكانها بسرعة وقالت
يا نهار أبيض يا مريم! إنتِ مالك؟ إنتِ خسّيتي بالشكل ده ليه؟
حطيت التابلت قدامها.
وقلت بهدوء
عايزاكي ترفعيلي قضية طلاق.
بصتلي باستغراب.
واضح إنها افتكرت إني بتكلم وأنا لسه تحت تأثير التعب والمړض.
لكن لما بدأت أقلب قدامها في المستندات
وشها اتغير.
ورقة ورا التانية.
صورة ورا التانية.
لحد ما قالت
إنتِ متأكدة؟
رديت
أيوه.
ومش عايزة تصالحيه؟
هزيت راسي.
لأ.
ومش عايزة تطلبي منه حاجة؟
لأ.
حتى حقوقك؟
بصيتلها وقلت
أنا هاخد حقي بالقانون. مش أكتر من حقي.
ماكانش عندنا أولاد.
والشقة اللي اشتريناها بعد الجواز كانت باسمنا إحنا الاتنين.
فطلبت إن قيمة الشقة تتقسم بالنص، وكل واحد ياخد حساباته وحاجته وعربيته وممتلكاته الشخصية.
ماكنتش عايزة أنتقم.
ولا عايزة أذله.
أنا بس كنت عايزة أخرج من الجوازة دي وأنا عارفة إن ضميري مرتاح.
في نفس اليوم، رجعت الشقة اللي كنا عايشين فيها.
فتحت الدولاب.
بدأت ألم هدومي.
حطيت شهاداتي.
كتبي.
حاجتي الشخصية.
وكل اللي يخصني في شنطتين.
قبل ما أخرج، وقفت قدام ترابيزة السفرة.
طلعت دبلة جوازنا من إيدي.
حطيتها فوق تقرير خروجي من المستشفى.
وبصيتلها لثواني.
وبعدين مشيت.
نقلت على شقة صغيرة مفروشة في الدقي.
غيّرت رقم موبايلي.
وقفلت كل طرق التواصل المباشر بيني وبينه.
بعد حوالي أسبوعين
كان كريم واقف وسط مجموعة من الدكاترة والتمريض في المستشفى، بيحتفلوا بنجاح المشروع اللي كان مشغول بيه طول الشهر.
كان بيضحك.
وبيتكلم بثقة.
ومبسوط بالاهتمام اللي حواليه.
وفجأة
دخل موظف رسمي للقسم وهو ماسك ظرف.
وقف قدامه وقال
دكتور كريم محمود؟
كريم بصله.
أيوه.
مد له الظرف وقال
إعلان رسمي استلام شخصي لو سمحت.
كريم أخد الظرف قدام الموجودين.
فتحه.
قرأ أول سطر.
وبعدها السطر التاني.
وفجأة
الابتسامة اختفت من على وشه.
كان قدامه دعوى الطلاق.
بس اللي كريم ماكانش يعرفه
إن دعوى الطلاق نفسها ماكانتشي أسوأ حاجة مستنياه.
لأن كان فيه مستند تاني
مستند من ملف المستشفى
أنا لقيته قبل ما أخرج.
ومستند واحد بس
كان كفيل يقلب كل حاجة في حياته فوق وتحت.
وكريم؟
لسه ماكانش عنده أي فكرة أنا اكتشفت إيه.
كريم فضل واقف في نص المكان، والظرف في إيده.
الدكاترة اللي حواليه بدأوا يبصوا لبعض، خصوصًا بعد ما لاحظوا إن وشه اتغير فجأة.
واحد من زمايله قرب منه وقال
خير يا كريم؟
كريم ما ردش.
فضل باصص للورقة كأنه مستني الكلام المكتوب فيها يتغير.
لكن الكلمات كانت واضحة.
دعوى خلع مقدمة من زوجته، مريم أحمد.
رفع عينه ببطء وقال
هي عملت كده؟
الموظف رد بمنتهى الهدوء
حضرتك وقّع هنا باستلام الإعلان.
كريم مضى.
لكن قبل ما الموظف يمشي، سأله
هي فين دلوقتي؟
الموظف رد
ده مش من اختصاصي يا دكتور.
ومشي.
كريم حط الورقة على الترابيزة بعصبية.
واحد من الدكاترة قال
يمكن سوء تفاهم؟
كريم ضحك ضحكة قصيرة، بس مافيهاش أي فرحة.
سوء تفاهم؟
وبعدين سكت.
لأنه هو نفسه كان عارف إن مفيش سوء تفاهم.
هو اللي اختار مايروحش.
هو اللي شاف رسائلها وما ردش.
هو اللي كان بيضحك في الحفلات بينما مراته كانت في نفس المستشفى.
لكن اللي ماكانش يعرفه
إن مريم ما كانتش طالبة الطلاق بسبب غيابه بس.
في اليوم الأخير ليها في المستشفى، وهي بتراجع ملف خروجها، لقت حاجة غريبة.
كان فيه مستند مرفق في
آخر الملف، بعنوان
مراجعة داخلية لملف الحالة.
في البداية افتكرته إجراء روتيني.
لكن أول ما قرأت أول سطر
اتجمدت.
الاسم مريم أحمد.
رقم الملف نفس رقم ملفها.
وتاريخ المراجعة كان بعد دخولها المستشفى بأيام قليلة.
المستند كان بيشير إلى