حماتي بعد ما اتوفت
أخد الشنطة وطلع، وأنا قعدت على السلم أسمع خطواته وهو طالع.. حسيت بتقل انزاح من على صدري شوية، بس كان فاضل التقُل الأكبر: إزاي هبص في وش البنت دي لما تنزل، وإزاي هقدر أرد لها اعتبارها وأصلح اللي اتكسر في قلبها وقلب ابني.
مرت الأيام والبيت هادي، بس الهُدوء كان يوجع أكتر من الزعيق. شيماء طالعة نازلة، تتصرف بقمة الأدب والذوق، تسلم عليا وتسأل عن صحتي بكل احترام، بس كان فيه حاجة اتكسرت.. النظرة اللي فيها حُب ودفا زمان اتغيرت وبقت مجاملة رسمية، كأنها بتتعامل مع غريبة.
وأنا كل ما أشوفها، قلبي يتقطع من الندم وأقول لنفسي: “يا ريتني كنت افترضت الخير بدال الغل والشك اللي عماني”.وجاء يوم عيد الأم..من أول ما صحيت وأنا قاعدة في الصالة، قلبي بيدق بسرعة كأني مستنية محاكمة.
بنتي دخلت عليا بست ورد صغير وبستني على رأسي وقالتلي: “كل سنة وأنتِ طيبة يا أمي”، وبعدها بشوية سمعنا خطوات على السلم.. خطوات ابني وشيماء نازلين سوا. دخل ابني وباس إيدي ورأسي وقال: “كل سنة وأنتِ طيبة يا أمي، ربنا يخليكي لينا وما يحرمناش منك”.
وراه على طول قربت شيماء، كانت مبتسمة ابتسامة رقيقة وصافية، وفي إيدها الشنطة إياها.. الشنطة اللي بكتني أيام!قربت مني، وقعدت على ركبتها قدامي زي ما بنتي عملت معاها يوم الفرح، وحطت الشنطة في ح.
ضني وقالت بصوت مليان حنية وأصل: “كل سنة وأنتِ طيبة يا حماتي، ويا رب تعيشي وتجيبي لنا وتجمعينا.
. أنا عارفة إن ذوقي بسيط، بس العباية دي أول ما شفتها قولت دي مش هتليق ولا تزهى غير على ست الحبايب. يا رب تعجبك وتعيشي وتدوبي”.في اللحظة دي، أنا ما قدرتش أتمالك نفسي أبداً.. انفتحت في العياط كأني طفلة صغيرة.
مسكت العباية وطلعتها، وعملت نفسي بكتشفها لأول مرة زي ما اتفقت مع ابني، ودموعي نازلة تغرق قماشها الأسود الغالي. بصيت لشيماء، ومسكت إيدها الاثنين وح. ضنتها بقوة وأنا بجهش بالبكاء: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا شيماء! العباية حلوة أوي وأغلى هدية جَتلي في حياتي، بس أنتِ أغلى وأجدع منها بكتير.
. أنتِ أصيلة وبتكسري العين بأخلاقك ونظافة قلبك”.شيماء اتفاجئت من انهياري، وطبطبت على ظهري وقالت: “يا حماتي ما تقوليس كده، أنتِ مقامك أكبر من أي حاجة، وما فيش بين الأهل مسامحة.. أنتِ أمي التانية”.ابني واقف بيتفرج علينا وعينه دمعت، وابتسم لأول مرة من يوم المشكلة ابتسامة حقيقية طالعة من قلبه.