كان الطفل كل يوم يتلقى هديه
وضع صندوقًا صغيرًا أمام منزل متواضع.
ورق بني. شريط لاصق بسيط. وخط يدوي.
كتب:
“لياسر. افتحه اليوم.”
لم يكتب اسمه.
لم ينتظر.
لم يختبئ ليرى رد الفعل.
غادر فقط… وقلبه يخفق بطريقة لم يعرفها من قبل.
في المساء، جلس في غرفته، ينظر إلى الساعة التي وصلته في عيده الثامن عشر.
أدارها قليلًا، وتأمل انعكاس الضوء على زجاجها.
فهم الآن لماذا كانت الساعة هي الهدية الأخيرة.
لم تكن مجرد أداة لقياس الوقت.
كانت تذكيرًا.
بأن الوقت لا يعيد من نحب…
لكنه يسمح لأثرهم أن يستمر.
في تلك اللحظة، لم يشعر بأنه فقد أمه قبل سنوات.
شعر بأنها ما تزال هنا.
في كل قرار أخذه. في كل باب سيطرقه. في كل طفل لن يشعر بالوحدة كما شعر هو يومًا.
وفي حيّ آخر، كان طفل صغير يفتح صندوقًا، وعيناه تتسعان بدهشة.
لم يكن يعرف من أرسله.
لكنه، دون أن يدري…
دخل للتو في سلسلة لن تنتهي.
سلسلة بدأت بامرأة آمنت أن الخير لا يحتاج شهودًا.
واستمرت برجل أنقذته كلمة.
ووصلت إلى شاب فهم أخيرًا أن أعظم هدية لم تكن ما وُضع في الصناديق…
بل ما وُضع في قلبه.
ان الطفل يتلقى كل عام هدية مجهولة الهوية، في اللحظة التي يكون فيها بأمسّ الحاجة إليها، دون أن يعرف مَن يرسلها. كبر وهو محاط بتلك الصناديق الغامضة، دون أن يعرف يومًا الشخص الذي يقف خلفها. وعندما بلغ الثامنة عشرة، قرر البحث عن الحقيقة… فاكتشف شيئًا غيّر طفولته بالكامل.
—
وصلت أول طرد عندما كان دانيال في السادسة من عمره، ولم يكن يفهم تمامًا بعد معنى كلمة “الفقد”.
كانت والدته قد توفـ,ـيت قبل ثلاثة أشهر فقط. كان البيت ما يزال يحمل رائحتها: صابون اللافندر، قهوة الصباح الطازجة، ذلك المزيج من الدفء والتعب الذي تتركه الأشخاص الذين يكافحون طوال حياتهم دون شكوى.
خالته لورا، التي أصبحت مسؤولة عنه، حاولت أن تُبقي كل شيء منظمًا. منظمًا أكثر من اللازم ربما. الأشياء نظيفة دائمًا، الطعام يُقدَّم في نفس الموعد، والتلفاز يعمل ليملأ الصمت. لكن هناك شيئًا لم يستطع أحد ترتيبه: الفراغ الذي تركته أمه.
في أحد أيام الثلاثاء، عند الرابعة عصرًا، طُرق الباب.
— هل تنتظرين أحدًا؟ — سأل دانيال من الطاولة، ودفتر الرياضيات مفتوح أمامه.
— لا — أجابت خالته وهي تجفف يديها.