كان الطفل كل يوم يتلقى هديه

“ماركوس.”

ولأول مرة منذ سنوات، لم يشعر دانيال بفضول مشتعِل.

شعر بشيء آخر.

شعور بالامتلاء.

كأن فجوة طفولته لم تُغلق بهدية… بل بحقيقة.

في اليوم التالي، حمل الرسالة وذهب إلى خالته.

قرأتها بصمت، ثم جلست طويلًا دون كلام.

— كانت تشبهها… — همست أخيرًا.

— ماذا تقصدين؟ — سأل.

— كانت تؤمن أن الخير إذا لم يتحرك… يموت.

بعد أسبوع، بحث دانيال عن الاسم في عنوان الرسالة. استغرق الأمر وقتًا، لكنّه وجده.

لم يذهب ليطلب تفسيرًا. ولم يذهب ليعاتب.

ذهب فقط ليطرق الباب.

عندما فُتح، كان أمامه رجل في أواخر الأربعينيات، بعينين تعرفان التعب… لكن فيهما حياة.

لم يتبادلا كلمات كثيرة.

لم يحتاجا.

مدّ دانيال يده، وقال:

— أمي كانت ستفخر بك.

ارتجف الرجل للحظة.

ثم ابتسم.

وفي تلك اللحظة، فهم دانيال شيئًا غيّر كل سنوات انتظاره:

لم تكن الهدايا هي ما رافقه طوال طفولته.

بل أثر أمه.

أثرها الذي لم يمت معها.

ذلك الأثر الذي انتقل من يدٍ إلى يد… حتى وصل إليه.

وفي ذلك المساء، بينما كان يضع الساعة في معصمه، اتخذ قرارًا بسيطًا:

في العام القادم…

سيطرق هو بابًا ما.

مرّ عام.

كان دانيال قد أنهى سنته الأولى في الجامعة. اختار دراسة الخدمة الاجتماعية، ليس لأنه كان يعرف تمامًا ما يريد أن يصبح… بل لأنه كان يعرف تمامًا ماذا يريد أن يفعل.

كان يريد أن يكون “الامتداد”.

لم يخبر أحدًا بسبب اختياره هذا التخصص. لم يحتج إلى تفسير. كان في داخله شيء يتحرك بهدوء، نفس الهدوء الذي كانت تصل به الطرود كل عام.

قبل أسابيع من موعد الذكرى، بدأ يبحث.

لم يكن يبحث عن أي طفل.

كان يبحث عن طفل يشبهه.

طفل فقد أحد والديه. طفل يحاول أن يبدو قويًا أكثر مما ينبغي. طفل لا يطلب، لكنه يحتاج.

وجده في مركز اجتماعي قريب من الحي الذي كبر فيه.

اسمه ياسر. عمره سبع سنوات. والده توفي منذ أشهر. وأمه تعمل ليلًا ونهارًا.

في الملف الصغير كُتب:

“هادئ أكثر من اللازم.”

ابتسم دانيال بحزن.

كان هذا الوصف يعرفه جيدًا.

لم يذهب إليه مباشرة.

فعل كما فعل ماركوس.

سأل من بعيد. استفسر بلطف. عرف أن حقيبته ممزقة. أن معطفه قديم. أنه يحب الرسم لكنه لا يملك ألوانًا.

وفي اليوم ذاته… نفس اليوم الذي اعتاد أن يسمع فيه طرق الباب… طرق دانيال بابًا آخر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *