بعد ست سنين

قبل ما يمشي، قال لي إنه سحب كل الفلوس اللي في الحساب المشترك، وقفل الفيزا الإضافية اللي كانت معايا. عربية الشركة اللي كنت بسوقها أخد مفاتيحها. وحتى التأمين الطبي اللي على اسمه هيتقفل أخر الشهر. المحامي بتاعه كان بعتلي ميل بيتهمني فيه إني سبت بيت الزوجية ببت إرادتي! البيت اللي أنا دفعت نص ثمنه من شغلي كمدققة حسابات.. السيراميك اللي اخترته على إيدي وأنا بحلم بمكان السرير بتاع البيبي.

“أنا هنام فين النهاردة؟” سألته بصوت مكسور.

أخد مفاتيح الشقة وقال بكل قسوة:

“أتصرفي.. أنتِ طول عمرك بتعرفي تعيشي لوحدك.”

مشي قبل الفجر. وعلى الظهر، لما رجعت من الشغل بشنطة هدومي وعيني جافة من كتر المأساة، أكر الباب كانت متغيرة والمفاتيح مش راضية تلف.

وقفت في الشارع في مصر الجديدة، ماسكة أوراقي الشخصية في كيس بلاستيك.

على الناحية التانية من الشارع، قدام فيلا قديمة شجرها مهجور، كان واقف عم “فاروق”.

الشارع كله كان بيخاف منه وبيعمله ألف حساب. راجل كبير، لواء شرطة متقاعد، عايش لوحده مع كلب جيرمان كبير، ما بيدخلش حد بيته ولا بيروح مناسبات. كلامه قليل، بس لما بيتكلم، أعتى بلطجية المنطقة كانوا بيوطوا صوتهم قدامه.

عدى الشارع بالراحة وجالي:

“عندك مكان تنامي فيه الليلة يا بنتي؟”

بلعت ريقي وبصيت في الأرض:

“هشفلي أي لوكاندة قريبة.”

“لا,” قالها بصرامة: “أنتِ ليكِ أوضة في بيتي.”

“أنا مش باخد شفقة من حد يا سيادة اللواء.”

رد بابتسامة خفيفة: “ومين قال إنها شفقة؟ أنا مبدلهيش لحد.”

في مطبخه الهادي والنظيف، حط قدامي ثلاث حاجات على الترابيزة: مفتاح نحاس، كارت محامي كبير، وظرف مقفول عليه لوجو مستشفى طبية كبيرة في المعادي.

“مراتي الله يرحمها ماتت وهي فاكرة إن العيب منها ومابتخلفش,” قالها بصوت هادي: “وبعد سنين اكتشفت إن أنا اللي كان عندي المشكلة. ومن يومها وأنا بتعلم ما أصدقش الراجل اللي بصوته العالي بيحاول يداري خيبته.”

فتحت الظرف وإيدي بتترعش.

كانت فاتورة مستشفى مدفوعة بالكامل باسمي.

“حضرتك بتعمل معايا كل ده ليه؟”

عم فاروق ما ردش عليا فجأة. قام راح عند درج قديم، طلع منه ملف أصفر، وحطه قدامي على الترابيزة.

فوق خالص، كان في اسم: شريف رجب المليجي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *