بعد ست سنين
التشخيص: عقم كامل عند الزوج، ونسبة الخلفية الطبيعية شبه معدومة.
الدم اتصفى من وشي.
“التقرير ده… أنا عمري ما شفته!” همست بصدمة.
“عشان في حد دفن الحقيقة,” عم فاروق قالها وبصلي بثبات: “مدير المعمل ده اتحقق معاه من سنين في قضايا تزوير وتقارير مضروبة بمبالغ كبيرة. وأنا محتفظ بنسخ من الملفات دي.”
بصيتله وأنا مش فاهمة، مرعوبة، وفي نفس الوقت في نار سودة بدأت تطلع في صدري:
“حضرتك كنت بتراقب جوزي؟”
وشه بقى حاد زي السيف:
“أنا براقب أي راجل يفتكر إن الست المالهاش ضهر ينفع يتداس عليها.”
الليلة دي كانت أول مرة أفهم إن شريف ما كسرتيش ولا دمرني…
ده سابني في المكان الصح، ووسط الأدلة اللي هتجيب حقي منه وتدفنه.
الجزء الثاني
الدكتورة رانيا علوان ما كانش عندها أي لف ودوران.
”مريم، أنا مش شايفة أي دليل طبي يقول إن عندك عقم,” قالتها وهي بتقلب في الملف بتاعي بجدية تقطع القلب أكتر من أي إهانة: “نسب الهرمونات عندك ممتازة، مخزون التبويض كويس جداً، والندبة الداخلية دي شكلها نتيجة عملية مالهاش أي لازمة اتعملتلك.”
حسيت بالعيادة بتلف بيا.
“مالهاش لازمة؟”
”في حد أخد قرار جراحي غريب وعنيف جداً بناءً على معلومات ناقصة أو متزورة.”
افتكرت شريف وهو قاعد جنب سريري في المستشفى بعد العملية، وبيقولي أوقع بسرعة وأن دي أحسن حاجة ليا، وأن الدكتور شرحله كل حاجة وأنا لسة تحت تأثير البنج ومغيبة.
“قال لي لو ما عملتهاش، عمر ما هيكون عندي فرصة أحمل.”
الدكتورة قفلت الملف بجمود: “كان في حد محتاج يلبسك ذنب مش ذنبك عشان تشيلي الشيلة لوحدك.”
عم فاروق كان قاعد جنبي. ما مسكش إيدي ولا حاول يطبطب، هو بس ساب إيده مفتوحة على مسند الكرسي.. وأنا اللي مسكت فيها بكل قوتي.
المحامية، الأستاذة إلهام، بدأت شغل في السكت والشغل التقيل. في أسبوعين اتنين كانت جايبة توقيعات متزورة، إيميلات مستخبية، تحويلات بنكية من شركة شريف لشركة استشارات وهمية، ومسجات بينه وبين مدير المعمل اللي في المعادي.
شريف ما كفاهاش إنه رماني، ده كان بيبني قصة كاملة عشان يخرجني من غير جنيه، وياخد الشقة، ويطلعني قدام الناس والمنطقة إني ست “معيوبة” دمرت حلمه في إنه يبص لعياله.
ولما شافني ساكتة ومبردش على استفزازه، فرعن زيادتين.
في أول جلسة تسوية في المحكمة، جه وجايب معاه نورهان. كانت لابسة غوايش ألمظ بتوع جدتي.. الغوايش اللي اختفوا من سراحتي الصبحية اللي غير فيها أكر الباب.
شريف اتسند على الكرسي وقال بقرف:
“لسة عايشة في فيلا سيادة اللواء المتقاعد؟ ما صدقتي لقيتي حد يصرف عليكي ويأويكي.”
الأستاذة إلهام حطت إيدها على كتفي عشان ما أردش.
وعم فاروق، اللي كان قاعد ورايا ببدلة كحلي شيك، رمش عينيه ما تحركش.
شريف افتكر سكوتنا ده ضعف أو خوف.
طلب ياخد الشقة بالكامل، وياخد حقي في مؤخر الصداق، وطالب بتعويض عن “الضرر النفسي” والمصاريف اللي صرفها على عمليات الحقن المجهري اللي يزعم إني أجبورته عليها!
وأحنا طالعين من مجمع المحاكم في التجمع، حصلني عند السلم:
“اسحبي البلاغ اللي عملتيه,” هنس بنفس حاقد: “وإلا هفضحك في مصر الجديدة كلها وأقول إنك جريتي سكنتي مع أول راجل كبير فتحلك بابه.”
بصيتله لأول مرة من غير نقطة خوف واحدة:
“بقولك ايه يا شريف.. قول لنورهان تعمل تحليل DNA للبيبي.”
ابتسامته اتهزت وثواني ووشه جاب ألوان.
بعد أسبوعين، النتيجة طلعت وشريف عرف اللي كان خايف منه: البيبي اللي في بطن نورهان ما كانش ابنه.
بس في الوقت ده، حياتي كانت عدت مرحلة الانتقام منه ومن قرفهم بمراحل.
في الأيام اللي بعدها، كنت بساعد عم فاروق في جنينة الفيلا. هو يقص الشجر القديم، وأنا أرتب الصناديق والأوراق اللي عيلته سابوها من سنين من غير تقليب. ما كانش بيستعجلني، ما كانش بيمن عليا بجدعنته، ولا كان بيحسسني إن ديوني بتزيد.
في ليلة مطرة، والكلب قاعد تحت الترابيزة، عم فاروق اعترفلي إن حكاية “لواء شرطة متقاعد” دي صح، بس مش كل الحكاية.
اسمه الحقيقي: فاروق باشا العطفي.
عيلة العطفي دي أصحاب مستشفيات خاصة، ومعامل تحاليل، ومراكز أبحاث، وشركات أمن حراسات.. كِيان استثماري ضخم جداً اسمه ما بيكتبش في الجرايد بس بيكتب شيكات تقيلة في الميزانيات.
والدكتورة رانيا علوان دي تبقى بنت أخته.
”ليه خبيت كل ده؟” سألته.
”أنا مخبيتش,” قالها بمرارة: “أنا هربت من القرف ده كله.”
بعد وفاة مراته، ساب الاسم والفلوس والمظاهر. بس المؤسسة الطبية بتاعة عيلته كان في مدراء فاسدين بيستغلوها في غسيل أموال، وتزوير تقارير، وبيع بيانات مرضى غلابة.
عم فاروق ما عرضش عليا جواز، ولا فلوس، ولا إنه ينقذني.
هو عرض عليا “قضية”.
أنا قبل ما شريف يضغط عليا وأسيب شغلي، كنت مراجعة حسابات شرعية وفحص جنائي. بعرف أمشي ورا الأرقام والمستندات اللي غيري بيحاول يخبيها.
جبت قرار السرقة والتزوير في 11 يوم بس.
مدير المعمل كان بيبع تقارير طبية مضروبة. كان في أزواج بيدفعوا مبالغ كبيرة عشان يلبسوا زوجاتهم العقم أثناء قضايا الطلاق. وشريف كان بيطلع الرشاوى دي من مصاريف الشركة تحت بند “دعاية وتطوير” عشان يدمر ملفي الطبي.
لما قفلت أخر شيت إكسيل ورتبت الأدلة، عم فاروق بصلي بفخر وقال:
“عمرك ما كنتِ ضعيفة يا مريم.”
”لا,” قولتله: “أنا بس كنت مضحوك عليا ومغيبة.”
بعد ست شهور من الليلة اللي شريف رماني فيها في الشارع، الدكتورة رانيا لفت شاشة السونار ناحيتي.
صوت ضربات قلب منتظمة وقوية ملأ الأوضة.
“مبروك يا مريم.. توأم.”
برة المستشفى في المعادي، كان في صحفيين ومصورين مستنيين فاروق العطفي، الوريث اللي رجع بعد سنين عشان يستلم إدارة مجموعة “العطفي الطبية” ويطهرها.
على المغرب، شريف عرف إن أنا حامل.
وعلى نص الليل، عرف مين هو الجار الكركوبة اللي كان فاكره مالوش كلمة.
والتقيل… لسة ما بدأش.