الجزء الثاني: وقفت مكاني وسط المطبخ، عيني بتتنقل بين السلسلة المقطوعة على الأرض وبين وشهوم التلاتة. تامر كان لسه ماسك الموبايل كأنه بيصور مشهد في مسرحية كوميدية، وأحمد واقف جنب الحوض وشّه أصفر كأنه بلع لسانه، أما سعاد فكانت حاطة إيدها في وسطها، وابتسامة النصر على وشها وكأنها بتقول لي: "أخيرًا جنيتي ووريتينا حقيقتك". ما يعرفوش إن الضربة اللي ضربتها بالشاكوش على القفل، ما كانتش بسبب الثلاجة ولا بسبب الأكل.. كانت الضربة اللي فوقتني من غيبوبة استمرت ست أسابيع. تامر قرب بالموبايل أكتر من وشي وقال بثقة وضحكة مستفزة: "صور يا زمان وسجل! الدكتورة اتجننت وبتبوّظ أجهزة البيت بالشاكوش.. ورينا بقى هتسوي إيه تاني؟ هتضربينا بالشاكوش ولا إيه؟" بصيت له بمنتهى الهدوء، هدوء ما قبل العاصفة اللي خلى ضحكته تتردد على شفايفه وتبدأ تروح بالتدريج. نزلت إيدي، وحطيت الشاكوش بالراحة على ترابيزة المطبخ. سعاد اتكلمت بصوت عالي وهي بتهز رأسها: "شوفت يا أحمد؟ شوفت مراتك المحترمة اللي جيبها من أعرق العائلات بتتعامل إزاي؟ جاية من شغلها تصوت وتكسر قفل البيت عشان حتة أكل؟ وهي من أمتى بتعمل حساب للبيت ده أصلاً؟ دا احنا بنحاول نعمل نظام ولمّة، وهي عايزة تعيش على مزاجها!" أحمد قرب مني بخطوات مترددة، حط إيده على كتفي وهو بيهمس بصوت واطي: "معلش يا مريم.. اهدي بس عشان خاطر ربنا، أمي ما تقصدش، هي بس كانت شايفه إن المصاريف زادت و..." قطعت كلامه ونفضت إيده من على كتفي بحدة: "أحمد.. اسكت خالص. ما تنطقش ولا كلمة." بصيت لسعاد وقلت بصوت واطي بس كل حرف فيه كان طالع زي السكينة: "اللي اتكسر ده مش قفل الثلاجة يا سعاد هانم.. اللي اتكسر ده السقف اللي كان حاميكم. الشقة دي شقتي أنا، مكتوبة باسمي أنا، من قبل ما أعرف ابنك ومن قبل ما تعتبوا بابها. المطبخ ده، العفش ده، الأكل ده، العربية اللي برة، كله بتاعي.. وانتوا هنا كنتوا ضيوف، بس الظاهر إنك نسيتي نفسك ونسيتي مين صاحب البيت." سعاد ضحكت بقهقهة عالية وهي بتحط إيدها على صدرها: "بيتك؟ بقى شقة ابني بقت بيتك؟ هو مش انتوا متجوزين؟ يعني اللي ليكي له، واللعبة دي مش عليا يا حبيبتي! وبعدين ابني سي أحمد هو راجل البيت هنا، وهو اللي مسموح له يقول مين يقعد ومين يمشي!" رديت وأنا ببتسم ابتسامة باردة: "سي أحمد راجل البيت؟ أحمد يملك في البيت ده القمصان والبدل بتاعته بس.. وعشان أريحك أكتر، أحمد مالوش حتى حق يجدد إقامتك هنا ليلة واحدة كمان." تامر نزل الموبايل وبدأ وشه يتغير، وزعق بقلة أدب:روايات_مشيره_محمد "جرى إيه يا بلدينا؟ انتِ هتسوقي فيها ولا إيه؟ احنا مش قاعدين في شارع، احنا قاعدين في بيت أخويا! ولا فاكرة عشان معاكي قرشين هتتطلعي علينا؟" التفتّ لتامر، وبصيت له من فوق لتحت وقلت له: "انت بالذات يا تامر.. تسد حنكك خالص وتلم حاجتك من أوضة مكتبي قبل ما الساعة تيجي ١٢ بالليل، لأن من بكرة الصبح، المكان ده مش هيبقى ليك، ولا لأمك، ولا للبنك اللي انتوا فاكرين إنكم أذكى منه!" أول ما نطقت كلمة "البنك"، شفت وِش تامر بيصفر فوراً، وبص لأمه بخلعة خاطفة. سعاد حاولت تتدارك الموقف وتزعق: "بنك إيه وزفت إيه اللي بتتكلمي عنه؟ انتِ هتألفي حكايات عشان تداري على قلة أدبك وتكسيرك للبيت؟" أحمد اتلخبط وبص لي واستغرب: "بنك إيه يا مريم؟ انتِ بتتكلمي عن إيه؟" طلعت موبايلي من الشنطة، فتحت الرسالة اللي جاتلي أثناء الغدا من البنك الأهلي، ورفعت الشاشة في وش أحمد. "اقرأ يا أحمد.. اقرأ بنفسك. 'عزيزي العميل، تم استلام طلبك للحصول على قرض شخصي بقيمة ٢.٥ مليون جنيه مصري عبر التطبيق الإلكتروني، وجاري مراجعة الأوراق'." أحمد فتح بقه ومش فاهم: "قرض؟ ٢.٥ مليون جنيه؟ انتِ طلبتي قرض يا مريم؟" ضحكت بمرارة وقربت من تامر اللي كان بيحاول يرجع لورا بخطوات بطيئة: "أنا أطلب قرض ليه يا أحمد؟ أنا دخلي مكفيني وزيادة والحمد لله.. بس فيه حد هنا في البيت، كان فاكر نفسه نصاب ذكي. دخل على شبكة الواي فاي بتاعة البيت، استغل إن بطاقتي وكارت البنك بتاعي كانوا على المكتب في أوضة الشغل اللي حضرته احتلها وحولها لأوضة ألعاب، وصور البطاقة، واستخدم بياناتي الشخصية عشان يرفع طلب القرض على الأبلكيشن!" أحمد بص لأخوه بذهول وصدمة: "تامر؟! الكلام ده صح؟" تامر ارتبك وبدأ يلجلج في الكلام: "إيه.. إيه العبط ده؟ أنا أعمل كده ليه؟ هي بتتهمنا وخلاص عشان تطفشنا من البيت! انت هتصدقها يا أحمد؟"روايات_مشيره_محمد سعاد اتدخلت بسرعة وزعقت بصوت أرج البيت: "انت اتجننت يا أحمد؟ هتصدق التهم الباطلة دي على أخوك؟ تامر ابن عز وما يمدش إيده على حاجة مش بتاعته! هي بتعمل المسرحية دي عشان ترمينا في الشارع وتخلص مننا!" بصيت لسعاد بثبات وقلت: "مسرحية؟ تمام جداً.. مبدئياً كده، البنك بيسجل الـ IP بتاع الجهاز اللي قدم الطلب، وبيطلب بصمة وِش أو مكالمة تأكيد. وأنا كلمت خدمة العملاء وأنا في الطريق، وتأكدت إن الطلب اترفع الساعة ٢ الضهر من جهاز لاب توب متصل بشبكة الواي فاي هنا، باستخدام أرقام كارت البنك بتاعي اللي كانت محطوطة في درج مكتبي اللي تامر كسره!" تامر اتوتر بزيادة وقال بحدة: "أنا ملمستش درجك! وبعدين درجاتك كلها كراكيب و..." قطعت كلامه بسرعة: "أنا ما قلتش إني كنت حاطة الكارت في الدرج.. أنا قلت محطوطة على المكتب، انت اللي لسه قايل دلوقتي إنك فتحت الدرج ولقيت كراكيب!" تامر سكت فجأة ووشه جاب ألوان، كشف نفسه بنفسه! أحمد بص لأخوه والدموع بدأت تتجمع في عينه من الصدمة: "انت عملت كده يا تامر؟ انت بتسرق مراتي؟ بتستغل إننا فتحنالك البيت وسامحين لك تقعد معانا وتستخدم حاجتنا وتسرق مراتي في ٢.٥ مليون جنيه؟" سعاد جرت على تامر وحضنته وقالت بصوت طالع بالعافية: "ما تعملش فيها بريء يا أحمد! أخوك كان عايز يبدأ مشروع! كان عايز يعمل حاجة لنفسه بدل ما انت سايبه شحات وانت عايش في العز ده! وهي معاها فلوس وشغالة في شركة كبيرة، إيه يعني لما تسلفه ولا تضمنه؟ مش احنا عيلة واحدة؟" المطبخ سكت تماماً لثواني.. الكلام طلع من بوق سعاد كأنه اعترف صريح! هي ما أنكرتش، هي كانت عارفة ومواافقة! بصيت لأحمد وقلت له: "سامع يا أحمد؟ أمك مش بس كانت عارفة.. أمك كانت مخططة معاها. السلسلة والقفل اللي على الثلاجة، وجدول الأكل، وتهميشي في بيتي، كل ده كان عشان تكسروا نفسي وتخلوني أستسلم وأسكت لما أكتشف الكارثة دي! كانوا فاكرين إني لما أرجع مهدودة من الشغل وألاقي نفسي ممنوعة من الأكل في بيتي، هنهار وأبكي وأقبل بأي حاجة عشان بس آخد رضاكم!" أحمد بص لأمه ولأخوه بكره وصدمة عمره ما حس بيها: "انتوا عملتوا كل ده؟ أنا كنت بضغط على مراتي كل يوم، وبقولها معلش استحمليهم بيمروا بظروف صعبة، وأنتوا بتخططوا تسرقوها وتخربوا بيتي؟" سعاد زعقت فيه: "اخرب بيتك إيه يا خايب؟ انت اللي ماليش كلمة في بيتك! مراتي مراتي! هي اللي سايقاك وممشياك على مزاجها! لو كانت ست أصيلة كانت وقفت جنب أخوك وعطت له الفلوس من غير ما نسأل!" مسكت موبايلي وفتحت كيبورد الاتصال. "قدامكم بالضبط ساعة واحدة." سعاد بصت لي بتحدي: "ساعة واحدة لإيه يا شاطرة؟ هتطلبي لنا البوليس يعني؟ يلا اطلبيه! ورينا هتسوي إيه يا بنت الأكابر!" رديت بكل برود: "أنا مش هطلب البوليس عشان السرقة القروض بس يا سعاد هانم.. أنا هطلب شرطة النجدة حالا بلاغ باقتحام ملكية خاصة، وسرقة محتويات، وتزوير واستغلال بيانات شخصية بالنصب. وبلاغ للنيابة العامة بالـ IP والأدلة الرقمية اللي البنك بيجهزها بكرة الصبح. وتامر قدامه خيارين: يا إما يلم شنطته مع شنطتك ويغوروا من البيت ده قبل ما الساعة تيجي ١٢، ويوقع لي على إقرار وتنازل ودفع للتعويضات اللي اتقطعت، يا إما المأمور هييجي يشرف بنفسه وياخده بشنطته على التخشيبة." تامر أول ما سمع كلمة "تخشيبة ونيابة"، ركبه خبطت في بعضها. الموبايل وقع من إيده على الأرض. "أمي.. اتكلمي يا أمي! أنا مش عايز أخش السجن! أنا قلت لك الخطة دي مش مضمونة وهي مش غبية!" سعاد بصت لابنها بصدمة، كأن الكارت الأخير سقط من إيدها. أحمد قرب من أخوه ومسكه من ياقة قميصه بحدة وعنف عمره ما عملهم: "ادخل لم حاجتك يا تامر.. ادخل لم زفتك انت وأمي واطلعوا برة بيتي فوراً!" سعاد صرخت: "بتطرد أمك يا أحمد؟ بتطرد أمك وأخوك عشان خاطر دي؟ ربنا مش هيبارك لك! هتروح فين من ربنا؟" أحمد زعق بصوت هز الشقة كلها: "ربنا مش هيبارك لي وأنا سايبكم تسرقوا مراتي وتخربوا بيتي وتذلوها في بيتها! برة! اطلعوا برة مش عايز أشوف وشكم تاني!" سعاد تبص لي بنظرات كره وغضب صافي، بس ما كانتش تقرر تتكلم تاني. عرفت إن اللعبة انتهت، وإن كل المحاولات للسيطرة وكسر نفسي اتعكست عليهم. دخل تامر أوراضه يجري يلم هدومه بلهفة وخوف، وسعاد بدأت تلم أكياس الخزين وعلب البلاستيك اللي كانت سرقاها من المطبخ وحطاها في أوضة ابنها. وطول ما هما بيلموا الشنط، كانت الشقة مليانة صوت عياط سعاد ودعاها عليا، بس ما كانش فارق معايا أي حرف. الساعة ١١:٤٥ بالليل.. باب الشقة اتقفل وراهم برقعة هزت العمارة. أنا قعدت على السفرة، حاطة إيدي على راسي، حاسة بتعب ١٤ ساعة شغل وتعب ست أسابيع من القهر والضغط. أحمد جه قعد على الكرسي اللي قدامي.. كان باصص للأرض، دموعه نازلة على خده ووشه أحمر من الخزي. "مريم.. أنا مش عارف أقولك إيه.. أنا آسف. أنا أسف إني كنت أعمى، أسف إني صدقت إنهم بيمروا بظروف صعبة وسكّتك وخليتك تتحملي كل القرف ده.. أنا استاهل أي حاجة تعمليها." بصيت له بثبات وطلعت ورقة وقلم من الشنطة وحطيتهم قدامه. "أحمد.. اللي حصل ده كشف حاجات كتير أوي. كشف إنك ما كنتش قادر تحميني ولا تحمي بيتك، وكشف إنك كنت مستعد تضحي بكرامتي وراحتي عشان ترضي أهلك حتى لو على حسابي." أحمد رفع رأسه بلهفة:روايات_مشيره_محمد "أنا اتعلمت الدرس يا مريم والله! أنا طردتهم بنفسي! مش هدخلهم حياتنا تاني أبداً!" "الدرس جه متأخر يا أحمد.. بكرة الصبح، هنروح للبنك نلغي بلاغ القرض بعد ما نضمن إن تامر مش هيعرف يعمل كده تاني، وبعدها على طول هنروح عند المأذون." أحمد اتصدم ووقف: "مأذون؟ مريم لا! أرجوكي بلاش طلاق! أنا بحبك والله، أنا بس كنت غبي ومخدوع!" رديت وأنا بقوم من على الكرسي وبلم حاجتي: "الجواز مش بس حب يا أحمد.. الجواز أمان وهيبة وحماية. وانت لما سمحت لأمك تحط قفل على ثلاجتي، كسرت الأمان ده. ولما سكت على إهانتهم ليا، ضيعت هيبتك. والبيت ده أنا بنيته بعرقي، ومش هسمح لأي حد -مهما كان- إنه يحسسني إني غريبة فيه. قرار الطلاق نهائي، وده إشعارك انت كمان." سبته واقف مصدوم في نص الصالة، ودخلت أقفلي أوضتي بالمفتاح. تاني يوم الصبح.. لغيت طلب القرض في البنك، وقدمت بلاغ محضر إثبات حالة لحماية بياناتي. وفي خلال أسبوعين، كانت إجراءات الطلاق تمت بكل هدوء. غيرت كالون الشقة، ورجعت المطبخ لنظامه القديم، وغيرت شبكة الواي فاي. أوقات كتير بنفتكر إن السكوت على قلة الأدب والتعدي على الحدود اسمه "عشم" أو "صبر".. بس الحقيقة إن السكوت هو الباب اللي بيدخل منه الاحتلال. واللحظة اللي تشيل فيها الشاكوش وتكسر القفل، هي اللحظة الوحيدة اللي بترجع فيها لملكيتك وكرامتك وحريتك. تمت. روايات_مشيره_محمد