طليقي استخدم بطاقتي الخاصة بالخدمات الذهبية سرًا ليأخذ حبيبته الجديدة الحامل إلى المستشفى… ولكن عندما جاء دورهما، سمع الجميع في صالة الانتظار الحقيقة كاملة. اتصل بي طليقي طارق فجأة بعد أسابيع من تجاهله التام لابتنا مريم. — نورة، مستشفى "دار الرعاية" للولادة والأطفال لديهم عرض على الفحوصات الشاملة للأطفال. هل تريدين أخذ مريم؟ في الشهر الماضي، كانت المدرسة قد أجرت بالفعل فحصًا طبيًا شاملًا لمريم، لذا أجبتُ بالرفض. تغيرت نبرته على الفور: — حسناً، إن لم تتركي الفرصة، فلا يهم. سارة حامل وتحتاج إلى إجراء بعض الفحوصات والتحاليل على أي حال. سارة… حبيبته الجديدة. حامل في شهرها الخامس. بقيتُ أتحسر وأنا أنظر إلى الهاتف. خلال سنوات زواجنا، كان طارق يقيم الدنيا ولا يقعرها بسبب فاتورة تافهة. وعندما كانت مريم تحتاج حذاءً جديدًا، كان يسأل ببخل إن لم يكن بإمكانها "الانتظار شهرًا آخر". وعندما طلبت المدرسة رسوم الزي المدرسي، ادعى أنه غالي الثمن واضطررت لدفعه بنفسي. والآن يريد أخذ حبيبته إلى أحد أغلى المستشفيات الخاصة في المدينة؟ ثم فهمت كل شيء. حسابي VIP الذهبي. عندما كنتُ حاملاً بمريم، فتحتُ حساب اشتراك مدفوعًا مسبقًا في مستشفى "دار الرعاية". وبين المراجعات، والولادة، والخدمات الفندقية لاحقًا، كنت قد أودعتُ أكثر من خمسين ألف ريال. طارق كان يعرف رقم العضوية… وكان يعرف أيضًا كلمة المرور القديمة. اتصلتُ بالمستشفى على الفور: — أهلاً، أنا صاحبة الحساب الذي ينتهي برقم 7209. أريد تغيير كلمة المرور الخاصة بالعمليات المالية فوراً. بعد التأكد من هويتي، قامت الموظفة بالتغيير في أقل من دقيقتين. — هل من خدمة أخرى يا سيدة نورة؟ — نعم، أريد إلغاء جميع الحجوزات التي تم إجراؤها هذا Post بحسابي أو برصيدي. ساد الصمت لثوانٍ وهي تراجع النظام: — لديكِ استشارة خاصة لدى استشاري النساء، وفحص جيني للجنين، وسونار رباعي الأبعاد ممتاز… وحجز مبدئي للجناح الملكي لما بعد الولادة. كادت الضحكة تسبقني من الهول: — كم سعر الجناح الملكي؟ — خمسة آلاف ريال في الليلة الواحدة. طارق الذي قضى سنوات يتهمني بأنني أسرف على ابنتنا، كان يستخدم أموالي ليرتب لامرأة أخرى غرفة فاخرة! — ألغي كل شيء. — تم الإلغاء. — وأريد إضافة خاصية التحقق الثنائي. من الآن فصاعدًا، لا يتم أي دفع أو حجز أو تعديل إلا برمز يصل إلى هاتفي المحمول. — سنفعل ذلك فوراً. — ممتاز. أغلقت الخط. بعد خمس دقائق، وصلتني رسالة نصية من طارق: "على فكرة، هل كلمة المرور لحساب المستشفى ما زالت تاريخ ميلاد مريم؟" لم أرد. ثم كتب مجدداً: "لقد حجزتُ موعد فحص سارة للأسبوع القادم. لا داعي لحضورك، سنستخدم البطاقة فقط." وكأن الخمسين ألف ريال الخاصة بي مجرد مظلة نسيتها في بيته! في اليوم التالي، رأيته أمام باب المدرسة. كان طارق يقف مع سارة، التي كانت ترتدي فستانًا عاجياً ضيقاً يبرز بطنها في الشهر الخامس، وتحمل في يدها علبة وردية. — مريم! —فتح طارق ذراعيه— تعالي، الخالة سارة اشترت لكِ هدية. توقفت ابنتي فجأة وتشبثت بي. ابتسمت سارة وقالت: — إنه فستان أميرات، اخترته لكِ خصيصاً. نظرت إليّ مريم: — أمي… أمسكتُ بيدها وقلت: — هيا بنا إلى البيت. وقف طارق مغتاظاً: — هل يجب أن تتصرفي بهذه الطريقة دائماً؟ هي تحاول فقط أن تكون لطيفة مع مريم! نظرتُ إليه ببرود: — في الشهر الماضي قلت إن مائتي ريال لزي ابنتك المدرسي "استغلال وزيادة لا داعي لها". لسنا بحاجة لأن يشتري لها أحد فساتين أميرات. تجمّدت ابتسامة سارة، وغادرنا المكان. في منتصف الطريق، سألتني مريم: — أمي، لماذا بابا لطيف جداً معها؟ انحنيتُ لأعدل حقيبتها على ظهرها: — لأن الكبار أحياناً يفعلون أشياء غبية جداً ليثيروا إعجاب الآخرين. ضحكت مريم بصوت خافت. في تلك الليلة، فتحتُ تطبيق فيسبوك وكدتُ أسكب كاس اللبن من يدي. نشر طارق صورة وهو يحتضن سارة، وخلفهما يظهر بوضوح الصالون الملكي الفاخر لمستشفى "دار الرعاية". وكان التعليق مكتوباً فيه: "أن أصبح أباً للمرة الثانية علّمني أن الحب الحقيقي هو أن تقدم الأفضل دائماً. تم بحمد الله التعاقد على الباقة الملكية الفاخرة والجناح الفندقي الأرقى. كل شيء يهون لأجل سلامة أم طفلي وطفلي القادم." أما التعليقات فكانت أشد استفزازاً: — "ما شاء الله، نِعم الرجل!" — "سارة محظوظة بك جداً." — "هذا المستشفى يكلف ثروة!" — "هكذا يكون الاهتمام بالزوجة." لم أعلق، ولم أضع حتى تفاعلاً. بعد أسبوع، في تمام الساعة التاسعة والعشرين دقيقة صباحاً، وصل طارق وسارة إلى قسم الخدمات الذهبية بالمستشفى، وكلهم ثقة بأن كل شيء مدفوع ومجهز. كانت سارة ترتدي نظارات شمسية من ماركة شهيرة، بينما كان طارق يمشي حاملاً ملفاً تحت ذراعه وتلك التعابير المتباهية تملأ وجهه، مظهرًا للجميع أنه يملك الكثير من المال. عند الاستقبال، قدم رقم عضويتي. كتبت الموظفة الرقم، ثم عقدت حاجبيها. ابتسم طارق بثقة: — إنه حساب العائلة، أنا أستخدمه دائماً. أعادت الموظفة النظر إلى الشاشة: — أحتاج للتأكد من بعض البيانات فقط. جلست سارة على أحد الأريكات البيضاء الفاخرة بجانب أزواج آخرين ينتظرون أدوارهم، بينما بدأ الصبر ينفد من طارق: — لدينا حجز للباقة الكاملة؛ الفحوصات الجينية، السونار، واستشارة الاستشاري. أجرت الموظفة مكالمة سريعة. بعد دقائق معدودة، انطلق صوت مكبر الصوت في صالة الانتظار الذهبية واضحةً ومسموعةً للجميع: "تنبيه مراجع العضوية رقم 7209: لقد رفض صاحب الحساب الأصلي الإذن بالدفع، وتم إلغاء جميع الحجوزات التابعة لأي مستخدم غير مصرح له." تجمّد طارق في مكانه، ورفعت سارة رأسها ببطء وصدمة. لكن الموظفة لم تكن قد انتهت بعد… والعبارة التالية جعلت الجميع يتركون هواتفهم وينظرون إليهما! — بالإضافة إلى ذلك —تابعت الموظفة عبر مكبر الصوت—، فقد طلبت صاحبة العضوية تسجيل أي محاولة مستقبلية لاستخدام الرصيد دون إذنها كعملية غير مصرح بها. ساد صمت تام في صالة الانتظار الذهبية. وقف طارق أمام المكتب بظهر مشدود وتصلب، بينما أخذت سارة ترمش بعينيها في ذهول وصدمة. امرأة حامل كانت تنتظر مع زوجها خفضت رأسها نحو الهاتف لتتظاهر بعدم الانتباه، لكن الأوان كان قد فات؛ فقد سمعت كل كلمة قيلت. قال طارق يحاول تدارك الأمر: — لا بد أن هناك خطأ ما! ردت الموظفة بابتسامة مهنية باردة: — لا يوجد أي خطأ يا سيد. — أنا استخدمت هذا الحساب من قبل! — ربما، لكن الحساب حالياً يتطلب إذنًا مباشرًا من صاحبة العضوية لكل عملية مالية. — أنا زوجها! فردت سارة بصوت خافت ومستنكر: — طليقها! التفت إليها طارق بسرعة، وتلك الكلمة بدت وكأنها أزعجته أكثر من رفض عملية الدفع نفسها: — أقصد أن هذا الحساب فتحناه عندما كنا متزوجين، هذه أموال عائلية! طلبت الموظفة البيانات على الشاشة ثم قالت: — وفقاً لسجلاتنا، فإن المسجلة الوحيدة والمالكة للحساب هي السيدة نورة. — اتصلي بها الآن! — لقد أرسل لها النظام طلب موافقة على الدفع بالفعل. في تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتفي. كنتُ أجرش القهوة في مقهى يبعد شارعين عن المستشفى، وأمامي جهازي المحمول لأتابع بعض الأعمال، وإن كنت في الحقيقة أمعن النظر في الصفحة نفسها منذ عشر دقائق دون قراءة حرف واحد. ظهرت على الشاشة رسالة: "مستشفى دار الرعاية: مطلوب الموافقة على خصم مبلغ 2,840 دولار. (استشارة نسائية VIP + فحص جيني + سونار ممتاز). هل توافقين؟" وتحتها خياران: (موافقة) أو (رفض). قمت بالضغط على رفض. وبعد ثوانٍ وصلتني رسالة أخرى: "حجز الجناح الملكي لما بعد الولادة. المبلغ المطلوب: 4,050 دولار." ضغطتُ على رفض. ثم رسالة ثالثة: "خدمات إضافية بطلب من المرافق." ضغطتُ على رفض. ابتسمتُ وأخذت رشفة من القهوة. لم أكن أشعر بالمتعة لإفساد مراجعة طبية لامرأة حامل، فلو كانت سارة تحتاج إلى الرعاية الصحية فيمكنها الحصول عليها، لكن ما لن أفعله أبداً هو أن أدفع ثمنها من جيبي الخاصة. في المستشفى، أخرج طارق بطاقته الائتمانية الخاصة وقال بغضب: — حسناً، اغصمي المبلغ من هذه البطاقة. أدخلت الموظفة البطاقة وانتظرت، ثم تغيرت تعابير وجهها قليلاً: — البطاقة مرفوضة. نظرت إليه سارة بدهشة: — ماذا؟ رد طارق مرتبكاً: — لا بد أنه البنك، في الفترة الأخيرة يغلقون المعاملات الكبيرة! أخرج بطاقة أخرى، وتم رفضها هي الأخرى! سألت الموظفة: — هل ترغب في المحاولة بطريقة دفع أخرى؟ بدأ وجه طارق يربدّ ويحمر خجلاً، وأخذ يفتش في محفظته ثم في جيوب سترة جاكيتته، ثم عاد يفتش المحفظة مجدداً وكأن بطاقة سحرية ستظهر فجأة داخلها! توقفت سارة عن الابتسام وقالت: — طارق، أنت قلت لي إن كل شيء مدفوع ومحجوز! — إنه محجوز بالفعل! — الحجز ليس كالدفع! — سارة، لا داعي لإثارة المشاكل هنا! فتحت سارة عينيها على وسعهما: — أنا من تثير المشاكل؟! في تلك اللحظة، يتوقف المراجعون القريبون حتى عن التظاهر بعدم الاستماع. انحنى طارق نحو الموظفة وقال بصوت خفيض: — هل يمكنكِ إدخالها للاستشارة وسأدفع لاحقاً؟ — باقات الخدمات الذهبية يجب دفعها بالكامل قبل تقديم الخدمة. — ولكنها حامل! — يمكننا تقديم استشارة نسائية عادية وتسديد قيمتها منفردة، وسعرها أقل بكثير. عقدت سارة ذراعيها وقالت بغضب: — أنت قلت إنك حجزت الباقة الفاخرة بالكامل! ضغط طارق على أسنانه: — وكنت قد فعلت! — ببطاقة طليقتك؟! لم يرد. التفتت الموظفة بلباقة إلى الناحية الأخرى، بينما وقفت سارة وقالت: — طارق! — نتحدث لاحقاً. — لا، الآن! — سارة... — هل كل ما نشرته البارحة عن أنك تقدم لي "الأفضل" كان مدفوعاً من أموال نورة؟! خفض طارق صوته: — هذا الحساب تم إنشاؤه أثناء زواجنا. — هذا لا يجيب على سؤالي! — كان لا يزال فيه رصيد... — رصيدها هي؟ — رصيد العائلة! — رصيد من بالضبط؟! تدخلت الموظفة بنبرة هادئة: — سيدتي، إن أردتِ يمكننا الإبقاء على موعد الاستشارة الطبية بدون الباقة الذهبية، لا نريد أن يضيع عليكِ الموعد. جلست سارة مرة أخرى وتبدو عليها علامات الإحراج الشديد. ولأول مرة منذ أن عرفتها، شعرتُ أنها ربما لم تكن تعرف الحقيقة كاملة. خرج طارق من قسم VIP واتصل بي. مرة... مرتين... خمس مرات... لم أرد إلا في المرة السادسة. — ماذا فعلتِ؟! —صرخ دون حتى أن يلقي السلام. — صباح الخير لك أيضاً. — هل ألغيتِ الحجوزات؟ — نعم. — سارة حامل! — أعلم ذلك. — تحتاج لإجراء هذه الفحوصات! — إذاً ادفع ثمنها من جيبك. ساد الصمت لثوانٍ ثم قال: — نورة، لا تصبحي طفولية! ضحكتُ من قلبي: — طفولية؟! — البطاقة فتحناها عندما كنا متزوجين! — الحساب باسمي أنا فقط. — استخدمنا أموالاً مشتركة! — غير صحيح. كنتُ أذكر تماماً كيف حدث ذلك. أثناء حملي بمريم، قامت أمي بتحويل مبلغ لي لأنها أرادت أن أحصل على رعاية خاصة وممتازة إن حدثت أي مضاعفات، والباقي دفعته من أدخاري الشخصي. طارق لم يضع ريالاً واحداً! بل إنه عندما علم بسعر الاشتراك وقتها قال: "النساء يلدن منذ آلاف السنين دون كل هذه التراهات!". لكنه لاحقاً، عندما وجد أن الاشتراك يشمل الفحوصات والأدوية والغرف الخاصة، أصبح يعتبره "إنجازاً واستثماراً جيدا"! وهو الاستثمار الذي يريد الآن إهداءه لحبيبته الجديدة! قلتُ له مذكرًا: — هذا الرصيد دفعته أمي ودفعته أنا، وأنت قلت وقتها إنه إهدار للمال. — كان ذلك قبل سنوات! — والآن يبدو أنه يعجبك جداً! — هناك رصيد كبير متبقٍ فيه! — أموالي أنا! — هل ستتركين المال مجمداً في حساب لمجرد العناد وإغاظتي؟ — ليس مجمداً، أنا أستخدمه لمريم. تأفأف طارق بغضب: — مريم لا تمرض تقريباً! تلك الجملة اخترقت قلبي، ليس لأنها قاسية، بل لأنها كشفت لي طبيعة تفكيره بالضبط! فبما أن مريم بصحة جيدة، فإن المال المخصص لابنته يعتبر في نظره "مالاً فائضاً" ومتاحاً ويمكن تحويله لعائلته الجديدة! قلتُ له: — شكراً لك. — على ماذا؟ — لأنك تذكرني دائماً بالسبب الذي جعلني أتطلق منك. وأغلقتُ الخط. بعد عشر ثوانٍ بدأت الرسائل تتوالى منه: " أنت تبالغين!" " كانت مجرد استشارة!" " ما الذي يضرك لو ساعدتِ؟" " سارة لا علاقة لها بمشاكلنا!" " فكري في الطفل!" لم أرد. ثم أرسل رسالة أخرى: " ثم إنه عندما يولد سيكون أخاً لمريم!" تلك الرسالة جعلتني أضع فنجان القهوة على الطاولة وأكتب له: " كونه سيكون أخاً لمريم يعني أنني أتمنى أن يولد بصحة جيدة، لكنه لا يعني أبداً أنني ملزمة بالدفع عن حمل حبيبتك!" رد طارق فوراً: " كم أن قلبك أسود وقاسٍ!" قرأتُ الجملة مرتين ثم أغلقت الهاتف. على مدى عشر سنوات من الزواج، كان طارق قد أتقن مهارة استثنائية: إشعار الطرف الآخر بالذنب لأنه رفض حل المشاكل التي تسبب هو فيها! إن نسي سداد فاتورة، أكون أنا متحكمة لأنني ذكّرته. وإن أنفق المال على شيء تافه، أكون أنا مادية لأنني سألت. وإن لم يشترِ شيئاً لمريم، فلأن "الأطفال لا يحتاجون كل هذا". وإن اشتريته أنا بمالي، ادعى أننا أخذنا القرار "كعائلة"! لم أكن أرى هذا الأسلوب بوضوح سابقاً، لكن بعد الطلاق أصبح جلياً كالشمس. اهتز هاتفي مجدداً، وكانت هذه المرة رسالة من سارة نفسها! لم تكن قد كتبت لي من قبل أبداً. " نورة، هل يمكننا الحديث؟" نظرت للرسالة لحظة ثم كتبت: " نعم." انتظرت دقائق ثم كتبت هي: " أنا لم أكن أعلم أن الحساب خاص بكِ أنتِ." لم أرد فوراً، فتبعتها برسالة أخرى: " طارق قال لي إنه حساب عائلي قام هو بدفعه عندما ولدت مريم ولا يزال فيه رصيد." ها هي قطعة الأحجية المفقودة! كتبتُ لها: " هو لم يدفع ريالاً في هذا الحساب، بل دفعته أمي وأنا." تأخرت سارة أكثر من خمس دقائق لترد: " فهمت." ظننتُ المحادثة انتهت، لكنها أردفت: " وقال لي أيضاً أنه يدفع نصف مصاريف مريم في المدرسة الخاصة." أغمضتُ عيني... مريم لا تدرس في مدرسة خاصة، بل في مدرسة حكومية! والأنشطة الإضافية هي التي تتطلب مصاريف، وأنا من يدفع أغلبها، بينما ينقطع طارق عن دفع نفقته المقررة محكمةً لشهور. كتبتُ لها: " مريم تدرس في مدرسة حكومية." ولم يأتِ أي رد بعد ذلك. بعد ساعتين، نشر طارق منشوراً جديداً على فيسبوك، بعدما حذف الصورة القديمة. وضع صورة تعبيرية لفنجان قهوة مع عبارة: " هناك أشخاص يفضلون التمسك بالحقد على أن يفرحوا بحياة جديدة." لم يذكر اسمي، ولم يكن بحاجة لذلك، فالكثير ممن يعرفوننا فهموا المعنى. أرسلت لي أقرب صديقاتي لقطة شاشة وكتبت: " هل يتحدث عنكِ؟" رددت: " على الأرجح." — " ماذا حدث؟" قصصتُ لها الموقف في أسطر سريعة، لتتصل بي وهي تضحك في ذهول: — " انتظري! استخدم رصيدك ليدفع لمراجعة حبيبته، ثم يقول إنكِ حاقدة؟! هذا يحتاج لدرس لن ينساه!" في المساء، اتصلت بي أمي: — طارق أرسل لي رسالة! — هو أيضاً؟! — يقول إنكِ تمنعين أخت مريم من الحصول على الرعاية الطبية! ضحكتُ بصوت عالٍ: — بالطبع سيقول ذلك! — سألته كم دفع هو في ذلك الحساب؟ — وماذا قال؟ — توقف عن الرد ولم يرسل شيئاً بعدها! أمي التي تحملت طارق سنوات من أجلي، قالت لي بجدية: — نورة، لا تعيد ميزة الدفع له أبداً. — لم أكن أنوي ذلك يا أمي. — ممتاز... نورة؟ — نعم؟ — هل تشعرين أنكِ قسوتِ على سارة؟ — لا، هي لها الحق في الرعاية الصحية، وطارق عليه الواجب في الدفع عنها، وهذان أمران مختلفان تماماً. كان هذا بالضبط ما أحتاج لسماعه. في تلك الليلة، وضعتُ مريم في فراشها مبكراً. وقبل أن أطفئ النور سألتني: — أمي، هل بابا غاضب منكِ؟ توقفتُ وسألتها: — لماذا تقولين هذا؟ — لأنه اتصل بي اليوم وقال إن أمي تجعل الأمور صعبة. شعرتُ بصدري يضيق غضباً، وقلت لها: — هل قال لكِ هذا؟ أومأت مريم: — سألته عن المشكلة فقال إنها مشاكل كبار. جلستُ بجانبها وقلت: — يا حبيبتي، اسمعيني جيداً. عندما يختلف الكبار، فليس من مسؤولية الأطفال إصلاح الأمر، ولا يجب عليكِ أبداً الاختيار بين بابا وماما. نظرت إليّ بعينيها البريئتين وقالت: — هل الأمر بسبب طفل الخالة سارة؟ — جزء منه، نعم. — هل الطفل مريض؟ — لا، ليس حسب علمي. فكرت مريم قليلاً ثم قالت بصفاء: — إذاً بابا يستطيع الدفع للطبيب، صح؟ لم أستطع منع نفسي من الابتسام، فالأطفال يحلون في ثوانٍ ما يعقده الكبار لأسابيع! — نعم يا حبيبتي، بالضبط. — إذاً أنا لا أفهم أين المشكلة! — ولا أنا يا حبيبتي... هيا نامي. في صباح اليوم التالي، تلقيتُ اتصالا من إدارة مستشفى "دار الرعاية": — سيدة نورة، نود إبلاغكِ أن أحداً حاول يوم أمس تعديل بيانات التواصل الخاصة بحسابكِ الذهبي، وطلب تغيير رقم الهاتف المسجل. وقفتُ من مكاتبي وقلت: — تغيير رقم الهاتف؟! — نعم، ولكن الطلب رُفض لعدم تطابق بيانات التحقق. سرى في جسدي قشعريرة... الأمر لم يعد مجرد محاولة لاستخدام كلمة مرور قديمة، بل كان يحاول سلب التحكم بالحساب تماماً ليتمكن من الموافقة على الخصومات بنفسه! قلتُ للموظفة: — أريد حظر أي تعديل على الحساب إلا بحضوري شخصياً مع بطاقة الهوية، وأريد إثباتاً خطياً بمحاولة التغيير هذه. — أبشري، سنفعل ذلك فوراً. اتصلتُ بطارق فوراً، ودون مقدمات قلت: — هل حاولت تغيير رقم هاتفي المسجل في المستشفى؟ ساد الصمت ثم قال: — لا أعرف عن ماذا تتحدثين! — المستشفى سجل المحاولة! — ربما سارة حاولت تحديث البيانات... — سارة لم تكن تعلم أصلاً أن الحساب لي! صمت مجدداً، ثم قال بنبرة هجومية: — نورة، أنتِ تجعلين من الحبّة قبة! — أردت استبدال رقمي لكي توافق على عمليات الخصم لنفسك! — أردتُ فقط تجنب كل هذا الصداع والمشاكل! — سرقة الحساب أصبحت بالنسبة لك "تجنباً للمشاكل"؟! لا تلمس أي حساب باسمي مجدداً! — هل تهددينني؟ — أنا أضع حداً واضحاً جداً معك. — أنتِ طوال عمرك هكذا، مهووسة بالمال! تنكستُ ونطقتُ ببرود: — وأنت طوال عمرك كريم جداً... عندما يدفع شخص آخر! وأغلقتُ الخط. توقعتُ أن الموضوع انتهى، لكنني كنتُ مخطئة. يوم الجمعة، عندما ذهبتُ لأخذ مريم من المدرسة، طلبت المعلمة الحديث معي: — اليوم جاء والد مريم قبل موعد الخروج وكان يريد أخذها. فزِع قلبي: — اليوم ليس يومه في الحضانة! — نعلم ذلك، وراجعنا الجدول الذي تركتِه لدينا ورفضنا خروجها معه. — ماذا قال؟ — ادعى أنكِ أعطيتِه إذناً شفهياً. أغمضتُ عيني... كالعادة، يأخذ ما لا يحق له ويفترض أنه سيبرر ذلك لاحقاً! شكرتُ المعلمة، وعندما خرجت مريم كانت جادة وقالت: — بابا جاء اليوم وكان يريد أن نذهب للغداء مع الخالة سارة، وقلتُ له إن اليوم مع أمي، فغضب من المعلمة. أرسلتُ لطارق رسالة شديدة اللهجة: " لا تحاول أخذ مريم في غير أيامك وتدعي أنك أخذت إذني، إن أردت تبديل يوم فليكن ذلك بطلب مكتوب." رد عليّ: " كنتُ أريدها فقط أن تقضي وقتاً مع عائلتها!" " أنا أيضاً عائلتها." " ليس كل شيء يدور حولكِ أنتِ!" كان طارق مقتنعاً تماماً أن أي حد أضعه هو هجوم شخصي عليه. طوال سنوات كان من المستحيل أن أقول له "لا"، والان أصبحت كلمة "لا" في نظره خيانة! بعد أسبوع، طلبت سارة لقائي. التقينا في مقهى هادئ. جاءت بمفردها، دون مساحيق تجميل أو ثياب فاخرة، وكانت تبدو متعبة جداً. قالت: — شكراً لمجيئكِ... أريد أن أعتذر لكِ. — عن ماذا؟ — عن أمور كثيرة... عندما بدأتُ الخروج مع طارق، قال لي إنكما منفصلان فعلياً منذ سنوات، وأن الزواج انتهى قبل الطلاق بكثير. — هذا غير صحيح. — أعلم ذلك الآن... وقال لي أيضاً أنكِ معقدة في أمور المال وتطلبين تحويلات دائماً. — أغلبها كانت مصاريف مريم. — فهمتُ ذلك الآن... كنتُ أظنكِ طليقة حاقدة، وكان يناسبني أن أصدق ذلك. احترمتُ صراحتها، وسألتها: — ما الذي تغير؟ — موقف المستشفى... وبعد تلك المشكلة راجعتُ أموراً كثيرة. الشقة التي نعيش فيها قال لي إنها ملكه، واكتشفتُ أنها إيجار! وقال لي إن لديه استثمارات وتبين أنها أوهام! أدركتُ ما حدث... طارق بنى أمامها شخصية الرجل الناجح، الكريم، الأب المثالي، وليحافظ على هذه الصورة كان يستخدم موارد وأموال غيره! قالت سارة وهي تضع يدها على بطنها: — أنا حامل في الشهر الخامس، وأحتاج أن اعرف مع من سأربي طفلي... هل كان أباً جيداً لمريم؟ سؤال صعب... طارق ليس وحشاً، كان يلعب مع مريم ويقضي معها أوقاتاً جميلة، لكنه أيضاً مهمل، ويتأخر عن الالتزامات، ويستكثر المصاريف. قلتُ لها: — هو يحبها... لكن الحب لا يعني دائماً القدرة على تحمل المسؤولية. خفضت رأسها وقالت: — هذا ما خشيته... على فكرة، استشارة الطبيب الأخيرة دفعتُ ثمنها من جيبي، وطارق وعدني بإعادة المبلغ. لم أرد، فنظرت إليّ وكلينا يفكر في الشيء نفسه: غالباً لن يعيده. بعد ثلاثة أيام، جاء طارق إلى بيتي في التاسعة مساءً. تحدث من خلف الباب: — نورة، افتحي، نريد أن نتحدث! — يمكنك الكتابة. — لا أريد الكتابة! سارة تفكر في تركي! فتحتُ الباب وأنا أضع السلسلة الحديدية: — لم أكن أنا من أذاع التنبيه في مكبر الصوت بالمستشفى! — كنتِ تعلمين ما سيحدث! — كنتُ أعلم أنك لن تستطيع استخدام مالي! — لقد ملأتِ رأسها بالأوهام! — هي من أصلت بي وسألتني، وأنا أخبرتها بالحقيقة! صرخ بغضب: — أنتِ دائماً تصنعين نفسكِ المثالية والملاك! وتتصرفين وكأنكِ لم تخطئي أبداً! — أخطأتُ كثيراً، لكنني لم أستغل أموال غيري لأتظاهر بالكرم! — غيّرتِ كلمة المرور فقط لتهينيني أمامها! — غيّرتها لأنك كنت تسرق رصيدي! — كان لأجل ابنتي! — مريم؟ سكت قليلاً ثم قال: — ابنتي الأخرى! — هي لم تولد بعد، وأنت تعلم أن هذا الحساب مخصص لمريم! تنفس بغضب وقال: — ماذا تريدين مني؟! — لا شيء... فقط كف عن استخدام أشياء لا تملكها. أغلقت الباب في وجهه. بعد أسبوعين، اختفت صور طارق الفاخرة على فيسبوك، ثم حذف صورته مع سارة، وتغيرت حالته الاجتماعية إلى أعزب. علمتُ أن سارة انفصلت عنه وقررا تربية الطفل بشكل مستقل. اضطر طارق للاستئجار في شقة صغيرة، وباع سيارته، وأصبح يلتزم بنفقة مريم بانتظام... فالبهرجة الكاذبة تلاشت عندما توقف الدعم من أموال غيره. عندما ولد الطفل، أرسل لي طارق صورته، وباركتُ له. وطلبت مريم أن تشتري هدية لأختها الصغرى، فذهبتُ معها واشترت غطاءً صغيراً ودفعت جزءاً من مصروفها وشاركتها الباقي. وعندما أعاد طارق مريم في المرة التالية، سلمني بطاقة معايدة من سارة تشكرني فيها على الهدية وعلى "الحقيقة التي كانت تحتاج لسماعها". واليوم، عندما ننظر للخلف، أدرك أن العكس ليس الكره، بل الاستغناء. عندما حاول طارق استخدام بطاقتي VIP ليظهر بمظهر الرجل الكريم أمام زوجته الجديدة، لم تكن إهانته في مكبر الصوت بالمستشفى... بل كانت الإهانة الحقيقية عندما اكتشفت تلك المرأة أن كل ذلك السخاء كان مموّلاً من طليقته! فأي شخص يستطيع أن يبدو كريماً بأموال الآخرين... لكن الرجولة والكرامة الحقيقية هي أن تكون مسؤولاً عندما تحمل البطاقة اسمك أنت! تمت بحمد الله خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد