فى عزومة عائلية
رانيا فضلت واقفة مكانها، وفجأة بقت صغيرة جدًا قدام نفس البنت اللي كانت بتحاول تصغرها من شوية.
سلمى مسكت إيدي وضغطت عليها.
ولأول مرة طول الليلة…
ما شدتّش في كم فستانها خالص.
توقف الزمن في القاعة الفخمة لعدة ثوانٍ. التصفيق الخفيف الذي بدأ من أطراف الطاولات كان يتحول تدريجياً إلى همهمات إعجاب وتصفيق دافئ من الحاضرين، بينما جمدت أختي رانيا في مكانها كأصنام الشمع.
وجهها الكريمي شحب تماماً، وشفتيها المصبوغتان بأفخر أحمر شفاة كانت تفتح وتغلق بصدمة متلعثمة. زوجها كريم حاول أن يتراجع خطوة للوراء ليتوارى عن الأنظار، بينما أولادهما الثلاثة، الذين كانوا يضحكون بسخرية قبل دقائق، أطرقوا رؤوسهم في الأرض من الخزي.
أمي، الحاجة ليلى، لم تلتفت حتى لرؤية وجوههم المنهارة. مسكت يد سلمى الصغيرة بين يديها الدافئتين، وقادتها ببطء وثبات نحو الطاولة الرئيسية.
تقدمت رانيا بخطوات مرتعشة نحو الجدة، بصوت يفيض بالارتباك والمحاولة الفاشلة لاستدارك الكارثة:
— “تيتا… حضرتك أكيد بتهزري، صح؟ الورشة الأصلية والأراضي الملحقة بيها في كفر الدوار؟ دي قيمتها تتعدى الملايين! إزاي تسجلي حقوق إدارتها وتكتبيها لطفلة عندها 12 سنة وتسيبي ولادي أنا وكريم؟!”
التفتت الحاجة ليلى نحو رانيا، وعيناها اللتان شهدتا أكثر من ثمانين عاماً من الحياة تصدران هيبة وصرامة جعلت رانيا تتراجع خطوتين للخلف.
قالت الجدة بنبرة باردة وواثقة:
— “قيمتها كبيرة لأنها اتبنت بعرق ودم وشقاء يا رانيا… مش بقعدات صالونات ومظاهر كدابة وشراء ماركات بالتقسيط عشان تظهري قدام الناس بثرى مزيف. أولادك
معلمينهم كيف يستهلكوا ويجرحوا غيرهم، وسلمى معلمة كيف تخلق من الخيط الضعيف ثوباً جميلاً يحمي كرامتها.”
أمي وأبويا حاولوا يتدخلوا. تقدم أبويا وهو بيمسك كوباية العصير بإيد بترتعش، وقال بنبرة محاولة لتهدئة الأجواء:
— “يا أمي… رانيا كانت بس بتمازح البنت، وماكنش قصدها تجرحها. الموضوع ما يستاهلش انك تغيري توزيع التركة والوصية قدام العيلة كده!”
الحاجة ليلى بصت لأبويا وأمي بنظرة عتاب ثقيلة أشد من أي صراخ، وقالت:
— “السكت عن السخرية والضحك على إحراج طفلة مش مزاح يا حسام… ده اشتراك في الجريمة. إنت وزوجتك فضلتوا تتفرجوا وتضحكوا على بنتك التانية وحفيدتك الصغرى لمجرد إنها مش بتستعرض زي رانيا. إنتوا نسيتوا أصلكم، بس أنا ما نسيتش.”
في هذه اللحظة، تقدمت داليا—مسؤولة اختيار المواهب في المنحة الإيطالية—ونظرت لسلمى بابتسامة أعجاب حقيقية.
أخرجت من حقيبتها الجلدية السوداء كارت عمل فاخر، ومدته لسلمى:
— “سلمى يا حبيبتي… التفاصيل والتطريز اليدوي اللي على الياقة الفستان ده بيحكي عن موهبة نادرة جداً بالنسبة لسنك. برنامج التدريب الصيفي في ميلانو بيبدأ الشهر الجاي، ومؤسسة الحاجة ليلى أتمت كافّة الترتيبات مع سفارة إيطاليا. أنا مشتاقة جداً أشوف تصاميمك الأولى على منصات العرض هناك.”
سلمى مسكت الكارت بأصابع ثابتة، والدموع اللي كانت محبوسة في عينيها تحولت لبريق فرح واعتزاز. بصت لي وابتسمت ابتسامة صافية، وقالت بصوت واثق سمعته رانيا وكل الموجودين:
— “شكراً يا طنط داليا… أنا هشتغل بجد عشان أكون قد الثقة دي.”
سقوط الأقنعة ودروس الحياة:
لم تستطع رانيا ولا أمي الاستمرار في القاعة.
شعور الإهانة والانكشاف قدام شركاء العمل والعيلة كان أكبر من قدرتها على الاحتمال. انسحبت رانيا مع زوجها وأولادها من العزومة بسرعة وهما بيجروا أذيال الخيبة، بعد ما الموقف اللي خططت له لإحراج ابنتي انقلب إلى درس قاسي أعاد ترتيب كل الأوراق.
بعد الحفلة بأسبوعين…
بدأنا التحضيرات لسفر سلمى إلى إيطاليا. كانت الورشة القديمة للجدة أصبحت ملاذ سلمى اليومي، تدربت فيها على أيدي كبار الفنيين القدامى، وتطورت مهاراتها بشكل مذهل.
رانيا حاولت تتصل بيا عدة مرات للاعتذار ومحاولة التودد لتغيير موقف الجدة، لكنني وضعت حدوداً صارمة وواضحة: الاحترام لا يُطلب بعد الإهانة، والكرامة خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
النهاية:
بعد مرور تسع سنوات كاملة…
في قاعة العروض الكبرى بأحد أرقى فنادق القاهرة، كانت الأنوار خافته، والموسيقى الإيطالية الساحرة تعزف في الخلفية.
كان عارضات الأزياء يمشين على منصة العرض يرتدين تشكيلة أزياء سهرة فاخرة تجمع بين الأصالة المصرية والتصميم العالي المستوحى من خطوط الحرير والقطن المصري الناعم.
في نهاية العرض، انطلقت التصفيقات الحارة من الحاضرين، ووقف الجميع احتراماً.
خرجت سلمى—مصممة الأزياء الشابة ذات الواحد والعشرين عاماً، والمديرة العامة الجديدة لشركة ومؤسسة الحاجة ليلى للمنسوجات.
كانت ترتدي فستاناً أسود ملكياً، من تصميمها الخاص، ورأسها مرفوعة فوق للسماء بكرامة وثقة.
وقفت سلمى أمام الميكروفون، ونظرت للحضور، ثم ثبتت عينيها عليّ وعلى الجدة الحاجة ليلى التي كانت تجلس في المقعد الأمامي بكرسيها المتحرك وابتسامة الفخر تنير وجهها.
قالت سلمى بصوت واثق ودافئ:
— “العرض ده بيهديه لإنسانتين… أمي اللي علمتني إن القيمة في اللي بنخلقه مش في اللي بنشتريه، وجدتي الحاجة ليلى اللي علمتني إن الغرزة الصادقة بتبني مستقبل أطول وأقوى من أي ماركة زائلة.”
اتجهت الأنظار كلها نحو الجدة ونحوي والتصفيقات ملأت القاعة.
أما رانيا، فكانت تجلس في إحدى الطاولات الخلفية البعيدة، ترتدي فستانها العادي، تتفرج بصمت وحسرة على البنت التي زعمت يوماً أنها “بلا مستقبل”… بعد أن أصبحت هي الرأس والاسم الأكبر في عالم الأزياء والموضة.
ورأس ابنتي وظلت صلبة ومرفوعة للسماء… اتعلم الجميع أن المظاهر الكاذبة تسقط في أول اختبار، وأن الموهبة والعمل الصادق والنية الصافية هما السند الحقيقي الذي يصنع المستقبل ويرفع قدر الإنسان للأبد.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا بينصر صاحبها في النهاية 🦋🦋🦋
متابعة القراءة
الصفحة 1
من 2 صفحة
الصفحة 2
شارك
روايات
المزيد
لمحة نيوز