خمس سنين وأنا بدعي له قدام الترب ودموعي ما بتنشفش، فاكرة إن السرطان خطفه مني. لحد ما رجعت من مأمورية شغل في إسكندرية، وشفته بعيني واقف في مطار القاهرة، بينشط ويعانق أمه، وبيشيل شنطة ست تانية! أمه، اللي هي حماتي، لما كلمتها في التليفون وقفت تصدمني ببرود: “انتِ بتهيأي يا إيلينا، جوزك ما.ت وانتِ اللي دفناه بإيدك!” من خمس سنين، مضيت بإيد بتترعش على شهادة وفاة “رامي العطار”. خمس سنين وأنا بختار له مدفن في مدافن الوفاء والأمل في مدينة نصر، ومعايا أمه الحاجة “سعاد” اللي كانت بتصرخ وتبكي لدرجة إن التربي نفسه كان بيهدي فيها. وكل يوم 12 في الشهر، أروح أحط ورد أبيض على تربة مفيهاش حد! النهارده، كنت راجعة من إسكندرية بعد ما قفلت صفقة لشركة “العطار للخدمات اللوجستية”، الشركة اللي أسستها أنا ورامي لما كنا فاكرين إن الحب والشغل ينفع يتجمعوا في بيت واحد. كنت هلكانة، وبجر شنطتي وفكري مشغول بالمواعيد، وفجأة شفته. مش وشه اللي لفت نظري الأول.. كانت خطوته! رامي كان دايماً بيمشي حاني ظهره الناحية الشمال بسبب إصابة قديمة وهو بيلعب كورة، وكان عنده عادة يرتب ساعته لما يتوتر. الراجل ده، بقميص كحلي ودقن متظبطة، عمل نفس الحركة بالضبط وهو طالع من بوابة المطار! الشنطة وقعت من إيدي: “رامي؟” .. قلتها بصوت واطي. وقف نص ثانية.. بعدين زعقت: “راااامي!” الناس اتلفتت، وهو لأ.. أسرع خطوته. جريت وراه بين المسافرين وعربيات السويفل والدلع. بره المطار، جنب عربية جيب سودا، كانت واقفة الحاجة سعاد.. حماتي! نفس الست اللي كانت بتقولي “انتِ بنتي اللي ربنا سابهالي بعد رامي”. رامي مال عليها وباس رأسها، وهي مسكت وشه بحنية عمرها ما ورهالي. كنت هترمي على الأرض من الصدمة، بس استخبيت ورا عامود وطلعت الموبايل. صوّرت لقطة.. والتانية. رامي فتح الشنطة وطلع شنطة حريمي حمرا متعلّق فيها ميدالية ديناصور. العربية اتحركت، رفعت إيدي لتاكسي: — ورا العربية دي يا أسطى، وهديك اللي تطلبه بس أوعى تروح منك! تتبعتهم لحد ما وصلوا لمطعم كبير في الشيخ زايد. اتصلت بحماتي وأنا مراقباهم من بعيد: — أهلاً يا إيلينا يا بنتي، راجعة إمتى؟ — بكره يا بابا.. الشغل واخد وقتي. — يا حبيبتي رامي الله يرحمه ما كانش يحب يشوفك مرمية في الشغل كده، تعالي زوريني. في نفس اللحظة، رامي كان بيضحك على الترابيزة وبيمسك إيد الست اللي معاه.. الضحكة دي ك.سرت جوايا حاجة ألعن من المو.ت. قَفَلت معاها، وصوّرت كل حاجة: رامي وهو بيعدل للولد الصغير على كتفه، وهو بيبوس مراته الجديدة. ما عملتوش فضيحة.. الست لما تكتشف إن حزنها كان ملعوبة، وجعها بيتحول لذكاء وغل! ما رجعتش شقتي في المعادي، طلعت على فندق في التحرير باسم مستعار، وكلمت سارة، سكرتيرتي: — سارة.. هاتيلي بيانات العربية الجيب دي، وحجز المطعم ده في الشيخ زايد، وكل حاجة عن حد شبه رامي العطار! — في حاجة يا فندم؟! — في حياتي كلها يا سارة.. الساعة 1 بعد نص الليل، التقرير جالي: * العربية باسم: سعاد إبراهيم (أمه). * حجز المطعم باسم: كريم الألفي. * كريم الألفي متجوز من نادين زكي، وعندهم ولد اسمه سليم عنده 5 سنين. * كريم الألفي هو الشريك الكبيير في شركة تكنولوجيا فاتحة من 5 سنين.. قبل دعوى وفاة رامي بتلات شهور! والشريك التاني؟ الحاجة سعاد! بس الصدمة الحقيقية كانت في تاريخ الجواز: كريم ونادين اتجوزوا رسمي قبل ما رامي “يمو.ت بالسر.طان” في حض.ني بست شهور! ساعتها بس فهمت.. إن التربة اللي كنت بعيط قدامها 5 سنين، ما كانش فيها جوزي.. كان مستخبي فيها سر ألعن بكتير من مجرد خيانة! ثاني يوم الصبح، طلبت الأستاذ طارق، المحامي اللي كان ماسك إعلام الوراثة وتركة رامي. جالي مكتبي في التجمع الخامس ومعه الشنطة السودا، ووشه فيه نظرة راجل حاسس إن الحريقة قربت توصل لرجله. — “إيلينا، قبل ما نفتح أي ورقة، لازم أفهم انتِ ليه طالبة الملفات دي بعد خمس سنين؟” حطيت قدامه على الترابيزة صورة رامي في مطعم الشيخ زايد وهو شايل الولد. المحامي اتسمر مكانو وما نطقش. — “علشان جوزي المرحوم كان بياكل شوكولاتة بالبندق في الشيخ زايد إمبارح.” فتح الأستاذ طارق الملفات: عقود، توكيلات، تنازلات، واعتمادات بنكية. توقيعي كان على كل ورقة.. فيه توقيعات خطي فعلاً، وتوقيعات تانية شبهه جداً بس الضغطة والميلة مختلفة.. مش خطي! — “انتِ بصمتِ ووقعتِ على أوراق كتير بعد العزا يا فندم..” قالها بحذر. — “بعد العزا أنا ما كنتش بمسك كوباية المية! الحاجة سعاد كانت بتديني مهدئات في العصير علشان أنام!” المحامي وِطّى رأسه. بعد حرق الجثة بثلاث أيام -أو اللي كنت فاكراه حرق جثة- وأنا م.يتة من المخد.رات، سعاد نقلت أسهم وحسابات وعقارات. ظاهر الأمر إن التركة اتفضت بالعدل بيني وبينها، بس في آخر الملف ظهرت ثلاث كمبيالات بحوالي 120 مليون جنيه لصالح شركة اسمها “الألفي كابيتال”.. والممثل القانوني ليها: كريم الألفي! الهوا اتقطع من صدري.. — “سرقوني واستغلوا مو.ته علشان يصفوا الشركة لحسابهم!” الأستاذ طارق وشه اصفر: — “أنا كلمت الدائنين وقتها.. الحاجة سعاد أصرت تسدد الدين ده من نصيبها في الورث!” — “نصيبها خرج من باب البنك ودخل من الباب التاني لحساب ابنها!” في نفس اليوم أجرت تحريات خاصة. خلال 48 ساعة عرفنا إن نادين زكي كانت خطيبة رامي أيام جامعة المنصورة، وأبوها -صاحب شركة مقاولات مفلسة- استلم تحويلات بملايين من حسابات سعاد. الولد سليم اتولد في الإسكندرية.. وفي نفس يوم الولادة، رامي كان حجز باسمه في فندق قصاد المستشفى، ورجع بليل المعادي يشتريلي ورد في عيد جوازنا! الورد ده أنا كنت لسة شايلاه مجفف جوه كتاب! اليوم التالت، رحت مدافن الوفاء والأمل قبل الفجر. قعدت على دكة قصاد التربة واستنيت.. الساعة تسعة وربع، العربية الجيب السودا وصلت. نزل منها سعاد، ورامي، ونادين، والولد. سليم كان ماسك بوكيه عباد شمس. رامي ركع قدام الشاهد اللي مكتوب عليه اسمه، ظبط الورد وقال للولد: — “سلم على عمك رامي الله يرحمه.” سعاد ضحكت ضحكة مكتومة، خبيثة ومستفزة. سجلت كل حاجة بالموبايل من ورا شجرة. لما مشيوا، قربت من التربة. تحت الورد كان فيه كيس بلاستيك شفاف، جوة الكيس صورة سونار تاريخها قبل العزا بسنة، ومعاها ورقة بخط سعاد: “ده ولد.. عيلتك الحقيقية مستنياك، ما تضيعش عمرك مع إيلينا.” رجليا ما شالتنيش. بالليل، فتحنا حساب قديم لرامي على “إيميل” الشركة. سارة سكرتيرتي قدرت ترجع فولدرات كان فاكر إنه مسحها. تذاكر طيران، صور نادين وهي حامل، شات مع أمه، وإيميلات سريعة عن تفتيش من النيابة الأموال العامة! شركة “العطار” كانت تحت التحقيق في قضايا إهدار مال عام وتسهيل استيلاء على أراضي دولة. لو رامي فضل عايش بشخصيته كان هيترمي في السجن.. بس وهو “م.يت”، بقى في الأمان! بمساعدة التحريات، جابوا عينات من أماكن عامة دخلها رامي: كوباية قهوة، منديل، شوكة.. تحليل الـ DNA في معمل خاص أكد إن سعاد هي الأم البيولوجية لـ “كريم الألفي” بنسبة 99.99%. فاضل الاعتراف. عزمت سعاد على فنجان قهوة في صالة خاصة بفندق في الزمالك. جرت برفيوم غالي، ولابسة لولي، وداخلة بوش الأرملة الحنونة. — “شفت راجل نسخة من رامي..” دلقِت القهوة على المفرش! — “انتِ تعبانة يا بنتي، الحزن بيعمل أكتر من كده.” حطيت نتيجة تحليل الـ DNA على الترابيزة. وشها اتغير، والماسك وقع في ثانية. تفت بقرَف وقالت: — “حتى لو عرفتِ، مش هتعرفي تثبتي حاجة! رامي العطار م.يت بالقانون.. انتِ كنتِ مجرد كارت بنستغله لما كان اسم عيلتك بيفتح أبواب. نادين هي الست الوحيدة اللي ابني حبها!” كنت مشغلة التسجيل في الشنطة. — “يعني زوّرتوا السرطان؟” ابتسمت بحقارة: — “زوّرنا كل حاجة.. المرض، والوفاة، والحرقة اللي كلت قلبك. وإيه يعني لما تسفي التراب 5 سنين قدام تربة فاضية؟ أعمل ألعن من كده عشان أحمي ابني!” في اللحظة دي، تليفوني رن.. رقم غريب. رديت، الصوت جاني زي السكينة في قلبي: — “إيلينا..” صوت رامي. “.. بلاش تعملي حاجة قبل ما نتكلم. لسة ممكن نلم الموضوع من غير ما ندمّر بعض.” وافقت أقابله تاني يوم في مكتب المحامي.. ما قلتلوش إن أمه لسة مسلماني أول مفتاح لـ باب سجنه. واللي رامي اعترف بيه في المكتب تاني يوم، خلي المحامي بتاعه نفسه يطلب النيابة! اليوم التالي، الساعة 11 الصبح. مكتب الأستاذ طارق في التجمع الخامس. الجو جوة المكتب كان كئيب ومكتوم، يقطع النفس. الأستاذ طارق قاعد ورا مكتبه وشبه مش مصدق الكابوس اللي بيتحضر قدامه. سارة سكرتيرتي واقفة جنب الباب، وأنا قاعدة على الكرسي، ظهري مفرود، وإيدي ثابتة فوق شنطتي اللي فيها الموبايل وبيسجل كل نفس يدخل أو يخرج في الأوضة. الباب اتفتح. دخل “كريم الألفي”.. أو رامي العطار. كان لابس بدلة رمادي أنيقة، نفس البرفيوم اللي كان بيفضله زمان، بس عينيه كانت حايصة ومفيهمش أي نظرة ندم. بصر لي بنظرة كلها رجاء مزيف، ودخل وراه محاميه الشاب اللي كان ماسك شنطة جلد وشكله مرعوب. رامي قرب مني خطوة: — “إيلينا.. أرجوكِ اسمعيني الأول.” ما ردتش عليه.. ولا حتى رمشت. سبته يعوم في سكوتي. عدل لياقته وقعد قصادي، وقفل محاميه الباب. — “انتِ فاهمة الموضوع غلط.. أنا ما كانش قدامي غير الحل ده. أنا اتزنقت زنقة سودة!” الأستاذ طارق حط إيده على المكتب وقال بصرامة: — “تكلم بإيجاز يا أستاذ.. وشرح للأساتذة هنا إزاي شخص متوفي ومسجل في سجلات الأحوال المدنية بوفاة ناتجة عن سرطان الدم، قاعد قصادنا وبياكل ويشرب؟” رامي اتنهد، وفرك وش بفركته الشهيرة، وبدأ يتكلم بصوت واطي ومبحوح: — “القصة مش قصتي لوحدي.. القصة بدأت من ست سنين. شركة ‘العطار للخدمات اللوجستية’ ما كانتش بس بتنقل بضائع.. كان فيه لواء متقاعد وشريك مستتر معانا بيستغل مخازن الشركة في نقل شحنات أجهزة إلكترونية وأدوية مهربة من غير جمارك، لحساب شبكة كبار. أنا اكتشفت ده بالصدفة، ولما جيت أرفض، هددوني بيا وبيكي! قالولي يا إما تشيل القضية وتترسخ في السجن مؤبد، يا إما هتوصلك جثة انتِ وأمك!” بص لي ومسك إيدي، فرحت ساحباها بقرَف، كأني لمست برص. كمل وقال: — “أمي هي اللي جابت الفكرة.. قالتلي نلعب لعبة الم.وت. اتواصلت مع دكتور ورئيس قسم في مستشفى شهير بالمهندسين -أخد 3 ملايين جنيه كاش- وطلع تقارير طبية مزورة بإن عندي ‘لوStandard Leukemia’ في مراحله الأخيرة. والتقرير اتقيد في وزارة الصحة. المستشفى ضر.بت الأوراق، وتوفيت ‘صورية’ في العناية المركزة.” الأستاذ طارق كان بيكتب كل كلمة، ومحامي رامي وشه بقى زي حيطة جير، بدأ يعرق بغزارة. أنا سالته بصوت هادي زي المو.ت: — “والجثة؟ مين اللي اندفن في مدافن الوفاء والأمل وأنا واقفة بصرخ وبمو.ت من الوجع؟” رامي بلع ريقه وبص في الأرض: — “ما كانش فيه جثة يا إيلينا.. التابوت كان متثقل بأكياس رمل ورخام مكسور، والمستشفى طلعت تصريح الدفن مقفول لاعتبارات صحية بحجة إن الجسد فيه إشعاع علاج كيميائي وما ينفعش يتفتح. والتربي أخد إكرامية كبيرة عشان يردم بسرعة من غير ما حد يفتش.” هنا الأستاذ طارق رمى القلم من إيده على المكتب: — “انتوا هببتوا جريمة تزوير في أوراق رسمية، ورشوة، وتزييف مستندات دولة!” رامي اندفع في الكلام عشان يدافع عن نفسه، وده كان كارت انتحاره: — “استنى بس يا أستاذ طارق! أنا ما هربتش بفلوس إيلينا! الفلوس اللي اتمحبت بالكمبيالات (الـ 120 مليون) دي كانت غسيل أموال! أمي ونادين وأبوها كان عندهم شركة أوفشور في قبرص، نقلنا فيها أصول الشركة بالكامل، والـ 120 مليون دول كانوا ثمن السكوت والشهادات المزورة، وتأمين حياتي الجديدة باسم كريم الألفي اللي اشترينا له بطاقة وشخصية راجل م.يت في حادثة من 10 سنين في الصعيد!” الأستاذ طارق وقف من طوله، وشه ضر.ب ألوان: — “غسيل أموال؟! وتزوير هويات؟! وتسهيل استيلاء؟!” التفت المحامي الخاص برامي، وهو بيتفاض: — “أستاذ كريم.. أنت بتقول إيه؟! أنت كده بتعترف بجرايم جنائية خطيرة جداً! أنا ما أقدرش أدافع عن الكلام ده، أنا خارج من القضية دي فوراً!” المحامي أخد شنطته وجري بره المكتب كأن المكان فيه قنبلة موقوتة. رامي اتفاجأ، وبص لي والتوسل في عينيه: — “إيلينا.. أنا سبتلك الشقة، وسبتلك اسم الشركة العطار، أنا بس عاوز أعيش مع ابني ونادين في هدوء. نادين كانت حب زمان وأبوها ساعدني أعمل ورق ‘كريم الألفي’.. ننسى اللي فات؟ هديكي 30 مليون كاش، والتنازل عن كل القضايا، ونقفل الصفحة دي خالص!” قمت وقفت بالراحة.. مسكت الشنطة، وطلعت الموبايل، ودست على إيقاف التسجيل. — “الصحفة دي مش هتقفل يا رامي.. الصفحة دي يلا بنبتدي نكتبها.” — “يعني إيه؟” رامي قام فزوع. — “يعني التسجيل ده، مع تسجيل أمك إمبارح في الزمالك، مع نتيجة الـ DNA، مع ملفات السيرفر اللي سارة جابتها.. كلهم بقوا على إيميل السيد المستشار رئيس نيابة الأموال العامة ورئيس نيابة حوادث شرق القاهرة.” رامي اتسطل، رجع خطوة لورا وخبط في الكرسي: — “انتِ عملتِ إيه؟! انتِ كدة هتدمريني وهتدُمري أمي!” — “انتوا دمرتوني 5 سنين يا رامي.. عيشتوني في ضلمة ودموع على مدفن فيه شوية رمل ورخام! كنت بكلم طوب وأنت بتلعب مع ابنك في الشيخ زايد!” في اللحظة دي، خبط شديد جه على باب المكتب بره. سارة فتحت الباب.. ودخل قوة من المباحث والأموال العامة بلبس ميري ومعاهم ضابط برتبة مقدم. الضابط بص في الورق اللي معاه، وبعدين بص لرامي: — “كريم الألفي؟ أو بالأحرى.. رامي محمد العطار؟” رامي لسانه اتعقد، ما قدرش ينطق. الضابط كمل ببرود: — “مطلوب القبض عليك بناءً على قرار النيابة العامة في قضايا تزوير محرر رسمي، وبلاغ كاذب، وغسيل أموال، وتزوير شهادة وفاة. ومعانا أمر بضبط وإحضار المتهمة سعاد إبراهيم والمتهمة نادين زكي.” الكلابشات اتفتحت، ورامي إيديه اتربطت بالحديد قصاد عينيا. وهو بيتسحب لبره المكتب، كان بيبص لي بنظرة رعب وذهول، ومش مصدق إن إيلينا الهادية، الضعيفة، المكسورة اللي كانت بتبكي على طيفه، هي اللي حفرت له القبر الحقيقي اللي هيتسجن فيه باقي عمره. بعد ست شهور.. صوت محكمة جنايات القاهرة كان يرن في القاعة. الحكم صدر: * السجن المشدد 15 سنة لرامي العطار بتهم التزوير في أوراق رسمية وإحياء شخصية متوفاة وغسيل الأموال. * السجن 10 سنين للحاجة سعاد بتهمة الاشتراك والتزوير والاستيلاء على أموال القصر والتركة. * السجن 7 سنين لدكتور المستشفى بتهمة التزوير في شهادات الوفاة والرشوة. * مصادرة كافة أموال شركة “الألفي كابيتال” والحسابات في قبرص لصالح الدولة ولصالحي كتعويض. خرجت من باب المحكمة، الشمس كانت طالعة ونقية. ركبت عربيتي ورحت لمدافن الوفاء والأمل لأول مرة من غير ما أكون شايلة ورد أبيض ولا دموع في عيني. وقفت قدام الشاهد اللي مكتوب عليه اسمه.. وطلبت من العمال يك.سروه ويشيلوه خالص. وقفت أتفرج على الطوب المكسور وهو بيترديم. أنا ما خسرتش جوز.. أنا دفنت الخيانة، ودفنت الخوف. ولأول مرة من خمس سنين.. تنفست هواء نضيف، وعرفت إن الحق لما بياخد وقته، بيرجع بأقسى طريقة ممكنة.