خمس سنين وانا بدعى
كنت مشغلة التسجيل في الشنطة. — “يعني زوّرتوا السرطان؟” ابتسمت بحقارة: — “زوّرنا كل حاجة.. المرض، والوفاة، والحرقة اللي كلت قلبك. وإيه يعني لما تسفي التراب 5 سنين قدام تربة فاضية؟ أعمل ألعن من كده عشان أحمي ابني!” في اللحظة دي، تليفوني رن.. رقم غريب. رديت، الصوت جاني زي السكينة في قلبي: — “إيلينا..” صوت رامي. “.. بلاش تعملي حاجة قبل ما نتكلم. لسة ممكن نلم الموضوع من غير ما ندمّر بعض.”
وافقت أقابله تاني يوم في مكتب المحامي.. ما قلتلوش إن أمه لسة مسلماني أول مفتاح لـ باب سجنه. واللي رامي اعترف بيه في المكتب تاني يوم، خلي المحامي بتاعه نفسه يطلب النيابة! اليوم التالي، الساعة 11 الصبح. مكتب الأستاذ طارق في التجمع الخامس. الجو جوة المكتب كان كئيب ومكتوم، يقطع النفس. الأستاذ طارق قاعد ورا مكتبه وشبه مش مصدق الكابوس اللي بيتحضر قدامه. سارة سكرتيرتي واقفة جنب الباب، وأنا قاعدة على الكرسي، ظهري مفرود، وإيدي ثابتة فوق شنطتي اللي فيها الموبايل وبيسجل كل نفس يدخل أو يخرج في الأوضة.
الباب اتفتح. دخل “كريم الألفي”.. أو رامي العطار. كان لابس بدلة رمادي أنيقة، نفس البرفيوم اللي كان بيفضله زمان، بس عينيه كانت حايصة ومفيهمش أي نظرة ندم. بصر لي بنظرة كلها رجاء مزيف، ودخل وراه محاميه الشاب اللي كان ماسك شنطة جلد وشكله مرعوب. رامي قرب مني خطوة: — “إيلينا.. أرجوكِ اسمعيني الأول.” ما ردتش عليه.. ولا حتى رمشت. سبته يعوم في سكوتي. عدل لياقته وقعد قصادي، وقفل محاميه الباب.
— “انتِ فاهمة الموضوع غلط.. أنا ما كانش قدامي غير الحل ده. أنا اتزنقت زنقة سودة!” الأستاذ طارق حط إيده على المكتب وقال بصرامة: — “تكلم بإيجاز يا أستاذ.. وشرح للأساتذة هنا إزاي شخص متوفي ومسجل في سجلات الأحوال المدنية بوفاة ناتجة عن سرطان الدم، قاعد قصادنا وبياكل ويشرب؟” رامي اتنهد، وفرك وش بفركته الشهيرة، وبدأ يتكلم بصوت واطي ومبحوح:
— “القصة مش قصتي لوحدي.. القصة بدأت من ست سنين. شركة ‘العطار للخدمات اللوجستية’ ما كانتش بس بتنقل بضائع.. كان فيه لواء متقاعد وشريك مستتر معانا بيستغل مخازن الشركة في نقل شحنات أجهزة إلكترونية وأدوية مهربة من غير جمارك، لحساب شبكة كبار. أنا اكتشفت ده بالصدفة، ولما جيت أرفض، هددوني بيا وبيكي! قالولي يا إما تشيل القضية وتترسخ في السجن مؤبد، يا إما هتوصلك جثة انتِ وأمك!” بص لي ومسك إيدي، فرحت ساحباها بقرَف، كأني لمست برص.