اتجوزت على مراتي
لمحة نيوز
القاهرة، واشتغلت في البيوت، أغسل وأمسح وأخدم عشان أقدر أأكل سيف وأدفع إيجار الأوضة. كل يوم كنت بشيل الجردل والمقشة، وبمسح البلاط تحت رجلين الناس، وكنت كل ما أوطي أبوس إيد ست بيت عشان تديني حسنة أو تزودني بضعف المرتب، أفتكر زينب وهي موطية تبوس إيدي وتقول لي أنا مستعدة أكون خدامتكِ… بس سيبيني في حالي.
كنت بنام بالليل وأنا حاسة إن ربنا بيخليني أذوق نفس الكأس بالمللي. الأيام دارت، وبقيت أنا الخدامة، وبقيت أنا اليتيمة اللي ما لهاش حد يسترها، وبقى ابني بيكبر وهو حاسس بالعار ومش عارف هو مين ولا ابن مين.
عدت خمس سنين على الليلة دي.
في يوم من الأيام، كنت شغالّة في مستشفى كبير في جاردن سيتي، بمسح الأرضيات والممرات. كانت رجليا وجعاني، وضهري مكسور من الشغل والتعب، ووشي شحب والعجز ظهر عليا وأنا لسه في تلاتينيات عمري.
وأنا بمسح الترابزين بتاع السلم، سمعت صوت ضحكات وهرجة في الممر الرئيسي. بصيت بالراحة، شفت دكتورة شابة لابسة بالطو أبيض زي الفل، ومعاها بنتين صغيرين لابسين يونيفورم مدرسة خاصة نضيفة جداً، وكانوا بيضحكوا وبيهزروا.
وفجأة… خرجت ست من أوضة الاستقبال.
الست دي كانت لابسة طقم شيك جداً، ووشها منور وفيه هيبة وراحة بال ما شفتهاش في حد قبل كده. كانت متألقة، وفي إيدها مفاتيح عربية أحدث موديل.
عيني اتسمرت عليها… قلبي دق بسرعة رهيبة… زينب!
أيوه، كانت زينب! بس ما كانتش زينب المكسورة اللي كانت قاعدة في الجنينة تبكي وبناتها حواليها. كانت ست ثانية خالص، قوية، مبتسمة، وعيونها مليانة كبرياء وأمل.
سمعت الدكتورة الشابة بتبتسم وتقول لها
يا ماما… حضرتك استعجلتي ليه؟ أنا كنت هخلص الشفت بتاعي وأجيلك بالبنات البيت على طول.
زينب ابتسمت وحضنت بنتها الدكتورة وقالت لها
ما قدرتش أقعد في البيت يا أمل… قلت أجي أخدكم ونطلع نتغدى بره سوا بمناسبة نجاح أختك الصغيرة وتفوقها.
وقف جنبهم راجل كبير في السن شويه، بس شكله محترم جداً وراقي، حط إيده على كتف زينب وقال بحب
يلا يا زينب… أنا حجزت لنا التربيزة اللي بتحبيها في المطعم.
زينب بصت له بامتنان وقالت
ربنا يخليك لينا يا دكتور… أنت عوض ربنا ليا وللبنات بعد كل التعب والظلم اللي شوفناه.
في اللحظة دي، جردل المية اللي كان في إيدي وقع مني على الأرض، والمية غرق الممر وشوشرت على المكان كله.
زينب والراجل والدكتورة التفتوا ناحية الصوت.
زينب بصت لي… عينيها جت في عينيا مباشرة.
أنا اتجمدت في مكاني. مسكت المقشة بإيدين بترتعش، ووطيت راسي في الأرض من الخجل والعار. كنت لابسة هدوم الشغل المبهدلة، ووشي شاحب، وإيديا متشققة من الصابون والمواد الكيماوية.
زينب قربت مني خطوة… سنتيمترات بس كانت فاصلة بيني وبينها.
أنا بقيت بأرتجف من الخوف، وكنت مستنية إنها تتعرف عليا، مستنية إنها تشمت فيا، أو تصرخ فيا، أو تفكرني باللي عملته فيها وفي بناتها… كنت مستعدة أرمي نفسي تحت رجليها وأطلب منها السلاح والرحمة.
رفعت عيني بالراحة وأنا ببكي وبقول بصوت واطي ومبحوح
زينب… أنتِ… أنتِ فاكراني؟
زينب بصت في وشي لمحتين… عينيا كانت بتدور في وشها، بتبحث عن أي أثر للغل أو الانتقام. بس العجيب إن عينيها كانت فاضية تماماً من الشماتة. ما كانش فيها غير هدوء رهيب، هدوء أقوى من أي انتقام في الدنيا.
بصت لي ببرود شاد، وقالت للدكتورة بنتها بصوت هادي جداً
يلا يا أمل يا حبيبتي عشان ما نتأخرش على الحجز… المكان هنا مش نضيف ولازم نخرج.
ومشيت!
عدت من جنبي وكأني مش موجودة، وكأني شوية تراب على الأرض بتمسحهم برجلها وهي ماشية! ما شتمتنيش… ما ردتش عليا… ما أدتنيش حتى شرف إنها تكرهني! عاقبتني بأقسى عقاب ممكن ست تدوقه… عاقبتني بالتجاهل، كأني نكرة، كأن وجودي في الدنيا دي عدم!
وقفت أراقبها وهي ماشية، دراعها في دراع جوزها الجديد اللي صانها وصان بناتها، وبناتها حواليها فرحانين ومرفوعين الراس. البنت الكبيرة بقت دكتورة، والتانية والتالتة في أحسن المدارس، وبقت هي مكرّمة ومحبوبة وعايشة في عز وعوض من ربنا.
أما أنا… فقعدت على الأرض وسط المية المقلوبة، أعيط وأصرخ في سري.
عرفت في اللحظة دي إن ربنا ما بيمهلش الظالم، وإن دعوة المظلوم مالهاش حجاب. عرفت إن الغرور والافتراء اللي كان عندي زمان، ما جابليش غير الفقر والخراب والفضيحة.
أنا خسرت كل حاجة… خسرت جوزي، وخسرت شرفي، وخسرت ابني اللي بيكبر في بيئة مكسورة، وبقيت خدامة في البيوت والمستشفيات، بمسح البلاط وببوس الأيادي عشان ألاقي لقمة عيش.
وزينب اللي كنت فاكرة إني كسر طوقها وطردتها في الشارع بلبسها ودموعها… ربنا رفعها فوق الكواكب، وعوضها بدال البيت قصور، وبدال الجوازة الفاشلة راجل يصونها، وبدال الذل عز وكبرياء.
وقفت وأنا بمسح دموعي بالمريلة المبتلة، وبصيت للسما وقلت بصوت مكسور
يارب… أنا دُقت الكأس اللي سقيته لغيري… وعرفت إن عدلك حقيقة… بس الثمن كان عمري كله.
رجعت لمست المقشة، وكملت مسح البلاط، وأنا عارفة إن السر اللي كتبته زينب في الرسالة زمان، ما كانش مجرد سر طبسي… ده كان بداية العدل الإلهي اللي دارت الأيام والزمان عشان يتنفذ بالمللي، ويخلي الظالم يرجع تحت القدم، والمظلوم يترفع فوق الرؤوس روايات_مشيره_محمد