كنت قاعد باكل نص ساندوتش

​وقف عمر أمام المريّة الكبيرة في المحل. فضل باصص لنفسه فترة طويلة. عيناه امتلاتا بالدموع، لكنه حاول يداريها بكفه الصغيرة.
​ياسين قرب منه وقال بضحكة صافية: “إيه الحلاوة دي يا عم! ده إنت طلعت أشيك مني!”
​عمر بص لياسين وقال بصوت مخنوق: “شكلي… شكلي حلو بجد؟”

​حسام قرب منه، وحط إيده على كتفه وقال بنبرة مليانة حنية ورجولة: “إنت طول عمرك حلو يا عمر… الهدوم بس بتبيّن نضافتك من جوة. يلا بينا عشان نرجع نستنى عمك طارق.”
​عمر بصلهم وقال بصوت وطي: “والهدوم القديمة؟”

​حسام رد من غير تردد: “هنحطها في كيس ونخليها معانا… عشان تفتكر دايماً إنك عديت بالمرحلة دي، وإنك أكبر وأقوى منها.”
​رجعوا القهوة اللي جنب المطعم، وقعدوا يستنوا. الوقت كان بيعدي، والساعة قربت من سبعة.

​حسام كان كل شوية يبص في ساعته، وعقله شغال. كلام طارق عن ورث أمه والمستشفى والأوراق المفقودة كان بيلف في دماغه. حسام مش مجرد راجل طيب اتعاطف مع طفل؛

حسام كان محامي شرس، صاحب مكتب محاماة معروف في المحكمة الابتدائية، وكان عارف إن الأزمات دي محتاجة أكتر من مجرد أكل وهدوم… محتاجة حماية وقانون.

​وفجأة، وسط زحمة الشارع والناس اللي داخلة وطالعة، ظهر راجل في أواخر التلاتينات.
​كان ماشياً بخطوات سريعة، لابس قميص منشّف من العرق، ووشه باين عليه التعب والشقاء، وعينيه بتدور في كل الاتجاهات برعب ولهفة.
​عمر أول ما شافه، وقف على حيله وصرخ: “خالو طارق!”

​الراجل اتسمر مكانه. بص ناحية الصوت. ماعرفش عمر في الأول بسب الهدوم النظيفة والكوتشي الجديد، بس أول ما دقق في وشه، جرى عليه وشاله بين إيديه، وضمه لصدره بكل قوته.

​طارق كان بيعيط، بكاء راجل تعبان وشايل هم أكبر من جبال. “إنت فين يا عمر؟ حرقت قلبي عليك يا بني! بقالي ساعات بفتش عليك في كل شارع!”

​عمر مسك في رقبة خاله وقال: “أنا آسف يا خالو… كنت جعان وشبرا كانت بعيدة، والمترو ماكانش معايا حقه… بس عمو حسام ويزو صحابي أكلوني وجابولي هدوم.”
​طارق نزل عمر بالراحة، ودار وشه عشان يمسح دموعه، وبعدين بص لحسام.

​كان في عينين طارق مزيج من الخجل الشديد، والامتنان، والانكسار. قرب من حسام ومسك إيده بكلتا إيديه وقال بصوت يرتجف: “أنا مش عارف أقول لحضرتك إيه… أنا راجل غلبان وما معيش حاجة أرد بيها جميلك ده. والله العظيم أنا مش مهمل فيه، بس أنا…”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *