كل يوم جمعة

قال
الساعة دي كانت وقت وفاة والدك؟
آدم هز رأسه.
ثم رسم والده واقفًا أمام الخزانة، وبعدها رسم شخصًا يأخذ ملفًا من داخلها.
لكن وجه الشخص كان ممسوحًا بالقلم.
ليلى قالت
ليه مش قادر ترسم وشه؟
آدم كتب
كنت خايف أبص له.
كريم سأله
طب فاكر كان لابس إيه؟
آدم فكر قليلًا، ثم رسم دبوسًا صغيرًا على ملابس الرجل.
كان شعارًا دائريًا.
كريم عرفه فورًا.
ده شعار المؤسسة القديمة.
ليلى قالت
يعني الشخص كان موظف هناك؟
غالبًا.
كريم أخذ هاتفه واتصل بمديرة المركز.
ابعتيلي قائمة الموظفين اللي كانوا شغالين وقت وفاة والد آدم.
بعد دقائق وصلت القائمة.
كان فيها عشرات الأسماء.
لكن اسم واحد كان عليه علامة بالقلم الأحمر
محمود عبدالرحمن.
ليلى قالت
هو نفسه اللي رفع القضية؟
كريم هز رأسه.
أيوه.
بدأت الصورة تتضح.
محمود كان يعرف والد آدم، وكان موجودًا في المؤسسة وقتها، والآن ظهر فجأة للمطالبة بالأرض.
لكن بقي سؤال واحد
ليه؟
في اليوم التالي، حضر محمود إلى المحكمة.
وكان كريم وليلى هناك أيضًا.
قال محامي محمود
موكلنا يملك مستندات تثبت حقه في الأرض.
محامي المركز رد
لدينا مستندات أقدم تثبت أن الأرض تم تخصيصها لخدمة الأطفال.
القاضي طلب الاطلاع على المستندات.
محمود كان واثقًا جدًا.
لكن عندما قدم ورقته، لاحظ كريم شيئًا.
التوقيع الموجود عليها كان يشبه توقيع والد آدم، لكنه لم يكن مطابقًا.
كريم قال لمحاميه
اطلب فحص التوقيع.
وبعد أيام، ظهرت النتيجة.
التوقيع مزور.
القضية بدأت تنهار.
لكن محمود لم يستسلم.
خرج من المحكمة، وتوجه مباشرة إلى كريم.
وقال
إنت فاكر إن الورقة دي كانت كل اللي عندي؟
كريم رد
لأ.
محمود ابتسم.
كويس إنك فاهم.
ثم أخرج صورة قديمة.
صورة لوالد آدم وهو يضع ملفًا في يد شخص.
وقال
الملف الحقيقي مش عندك.
كريم أخذ الصورة.
وبمجرد ما شاف الشخص الموجود فيها، اتصدم.
كان الشخص هو كريم نفسه.
ليلى بصت له.
دي إمتى؟
كريم ظل ساكتًا.
ثم بدأ يتذكر.
كان واقفًا أمام أخيه في مكان قديم، ويحمل صندوقًا.
وفجأة قال
أنا فاكر.
محمود قال
أخيرًا.
كريم رفع عينيه.
الصندوق ماكانش في المخزن.
محمود ابتسم.
بالضبط.
ليلى سألت
أمال فين؟
كريم نظر إليها.
ثم قال
أنا حطيته في مكان ماحدش هيفكر يدور فيه.
فين؟
كريم بدأ يبتسم لأول مرة.
في البيت اللي عشنا فيه أول سنة بعد جوازنا.
ليلى اتصدمت.
يعني الصندوق كان عندنا طول الوقت؟
كريم هز رأسه.
أيوه.
لكن محمود قال جملة أخيرة قبل أن يغادر
لو لقيتوه هتعرفوا مين الوريث الحقيقي للأرض.
رجع كريم وليلى إلى البيت القديم.
فتحوا المخزن.
بحثوا بين الصناديق.
حتى وجد كريم لوحًا خشبيًا خلف مكتبة قديمة.
أزاحه.
ظهر تجويف صغير.
داخله صندوق معدني.
فتحوه.
لكن بدل ما يلاقوا المستندات
وجدوا ورقة واحدة فقط.
وفيها جملة
الوريث الحقيقي ليس شخصًا بل حق الأطفال في هذا المكان.
ليلى ابتسمت.
لكن كريم لاحظ شيئًا أسفل الجملة.
كان هناك توقيع والد آدم.
وتحته
إذا وصلتوا للنهاية، افتحوا الدرج السابع في مكتب كريم.
كريم بص لليلى.
مكتب كريم؟
ليلى ضحكت
يعني مكتبك الحالي.
كريم سكت لحظة.
ثم قال
يبقى آخر سر كان معايا طول الوقت.
وفي صباح اليوم التالي، فتح كريم الدرج السابع.
وكانت المفاجأة التي أنهت آخر لغز في القصة
رسالة مكتوبة بخط أخيه، موجهة إلى ليلى تحديدًا فتح كريم الدرج السابع، ووجد ظرفًا أبيض مكتوبًا عليه
إلى ليلى.
ليلى أخذت الظرف بإيد مرتعشة وفتحته.
كانت رسالة من والد آدم
ليلى، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى كريم نفّذ وعده، والمكان أصبح آمنًا.
أنا اخترتكِ مش لأنك من العيلة، لكن لأن كريم حكى لي عن قلبك وعن مساعدتك للناس من غير ما تستني مقابل.
الأرض دي مش ملك كريم، ولا ملكي، ولا ملك أي شخص.
هي أمانة للأطفال.
وعشان كده، أنشأت صندوقًا قانونيًا يمنع بيعها أو الاستيلاء عليها، ويضمن استمرار المركز حتى بعد رحيلنا جميعًا.
أما آدم، فهو صاحب الحق في الاستفادة من المكان، لكنه مش مسؤول عن حماية المشروع وحده.
خليه يعيش حياته، ويتعلم، ويختار مستقبله بنفسه.
ومتخليش الماضي يبقى سجنه.
ليلى أنهت الرسالة، وسكتت.
كريم قال
دلوقتي فهمت كل حاجة.
وأنا كمان.
في المحكمة، قدموا الرسالة وكل المستندات.
وأثبت الفحص أن توقيع والد آدم على عقد التنازل القديم مزور.
أما الأرض، فثبت رسميًا أنها مخصصة للأعمال الخيرية وخدمة الأطفال، ولا يجوز تحويل ملكيتها لمصلحة شخصية.
وبذلك انتهت القضية.
أما محمود، فتم التحقيق معه بسبب المستندات المزورة ومحاولته الاستيلاء على الأرض.
وبعد فترة، اختفى اسمه من حياة المركز تمامًا.
لكن أهم حاجة حصلت كانت لآدم.
لأول مرة، خرج من بوابة المركز من غير خوف.
لم يعد طفلًا ينتظر من يقرر مصيره.
بقى عنده مكان يتعلم فيه، وأشخاص يثق فيهم، ومستقبل يختاره بنفسه.
وفي أول جمعة بعد انتهاء القضية، ليلى كانت قاعدة في البيت.
الساعة قربت من الثانية.
بصت لكريم وقالت
مش هتخرج النهارده؟
ضحك كريم وقال
لأ.
ليه؟
خلاص، مفيش أسرار.
وبعد دقائق، رن جرس الباب.
كان آدم.
جاء ومعه مجموعة من الأطفال من المركز.
كانوا يحملون لوحة كبيرة.
فتحت ليلى اللوحة.
كان مكتوبًا عليها
شكرًا لأنكم خليتونا نصدق إن لنا مستقبل.
ليلى بصت لكريم وقالت
كل الساعات اللي كنت بتختفي فيها كانت بتبني اليوم ده.
رد كريم
وأجمل حاجة إني مش مضطر أخبي عنك أي حاجة تاني.
ومن يومها، أصبح يوم الجمعة مختلفًا.
لم يعد كريم يغلق هاتفه.
ولم تعد ليلى تنتظر عودته وهي قلقة.
بل صار كل جمعة يومًا يجتمع فيه كريم وليلى وآدم والأطفال داخل المركز.
والسر الذي أخفاه كريم سبع سنوات لم يكن امرأة أخرى، ولا حياة سرية، ولا خيانة.
كان وعدًا قطعه لأخيه
أن يحمي طفلًا، ويحافظ على حلم، ويمنح أشخاصًا كثيرين فرصة لحياة أفضل.
أما ليلى، فاكتشفت أن أكثر شيء كانت تخشاه طوال تلك السنوات
كان في الحقيقة أجمل شيء كان زوجها يحاول بناءه.
وفي آخر يوم من السنة، وقف كريم أمام باب المركز، وعلّق لوحة جديدة كتب عليها
هنا لا نحفظ أسرار الماضي هنا نبني مستقبلًا أفضل.
ومن وقتها، انتهت حكاية سر الجمعة
وبدأت حكاية جديدة، اسمها
حياة بلا خوف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *