الرساله جتلي

— أنتِ مش متغاظة؟
— متغاظة طبعاً، بس العصبية بتروح وبتنسى، إنما المستندات والدلائل هي اللي بتفضل.
​طلبت من المحامية بتاعتي تجهز الإجراءات الرسمية لفسخ الخطوبة، واسترداد كل الفلوس والمصاريف اللي دفعتها، وتبعت إنذار رسمي لعيلة العطار بوقف استخدام اسمي في أي بيانات أو كلام.
​يوسف بعتلي إيميل: “بلاش مبالغة ودراما. جيهان مش بتهدد وجودك ولا مكانتك. جدي واثق فيكِ وما يستاهلش منك إنك تتخلي عنه كده.”
رديت عليه: “جدك هو المريض بتاعي، إنما أنت خلاص ما بقيتش شريكي.”
​بعد ست أيام، قبل الفجر، تليفوني رن. كان مستشفى دار الفؤاد في القاهرة.
— يا دكتورة ياسمين، الحج جلال العطار دخل الطوارئ بألم شديد في الصدر، والأشعة مقطعية بتوضح إن في انشطار حاد في الشريان الأورطي. الدكتور رئيس القسم طلب نتواصل مع حضرتك فوراً.
​قعدت على حيلتي في السرير بسرعة:
— ابعتولي الأشعة والتقارير على السيستم المتشفر فوراً.
​رئيس قسم جراحة القلب دخل معايا على الخط:
— يا ياسمين، الانشطار عمال بيزيد. الخطة البديلة اللي كنتِ حطاها لحالته هي أنسب حاجة دلوقتي، بس محتاجينك ترجعي بسرعة.
​من وراه سمعت صوت يوسف في الخلفية بيصرخ:
— قولها إني هبعتلها طيارة خاصة تجيبها!
— أنا مش محتاجة حاجة من العيلة، —رديت ببرود—. خلي المستشفى تبعتلي طلب واستدعاء رسمي.
​يوسف أخد التليفون:
— جدي بيموت وأنتِ لسه ماسكة في كبريائك وغرورك!
حسيت بجبل من الثلج جوايا:
— أنا براجع أوراقه وأشعته وأنت عمال تتخانق معايا. إدي التليفون للدكتور.
— لازم ترجعي!
— أنا هرجع عشان في مريض محتاجني، مش عشان أنت بتكلمني.
​سكت. وبعدها سمعت الممرضة بتسأل مين اللي هيمضي على إقرار العملية. صوت تاني رد بثقة كاملة:
— أنا. أنا زوجة يوسف.
​كانت جيهان. الدكتور رجع يكلمني:
— ياسمين، أنتِ عارفة الوضع ماشي إزاي طبعاً.

​بصيت على الصور والأشعة على الكمبيوتر. الانشطار كان أسوأ بكتير من المتوقع.
— ثبتوا حالته على قد ما تقدروا. أنا جاية في أول طيارة. ودكتور…
— أيوه يا ياسمين؟
— أثبت في الأوراق والتقارير إني راجعة بصفني الجراح المتابع للحالة فقط، مش أي حاجة تانية.
​بعد ساعات، لما مشيت في طرقة مستشفى دار الفؤاد وأنا لابسة البالطو الأبيض، يوسف جرى عليا:
— ياسمين…
​رفعت إيدي في وشه:
— أهالي المرضى ينتظروا بره. أنا داخلة أجهز للعملية.
​جيهان كانت واقفة جنبه وعينيها موارمة من العياط. لأول مرة، محدش فيهم كان باين عليه إنه مسيطر أو عارف بيعمل إيه. وماكنوش يعرفوا إن قبل ما أدخل غرفة العمليات، كنت هكتب حاجة في تقرير المستشفى هتغير للابد القصة اللي العيلة دي كانت بتحكيها عني قدام الناس…
​لو كنتِ مكان ياسمين، كنتِ هترجعي تنقذي حد من عيلة لسه مهيناكي ومقلة بيكِ؟ احكيلي، لأن اللي حصل بعد كده غير تماماً مين اللي معاه القوة والسيطرة الحقيقية
الجزء الأخير
​قبل ما أدخل التعقيم، مسكت ملف الحالة وكتبت تقرير طبي دقيق جداً: أثبت فيه إن الحالة داخلة في وضع حرج، وإن الإقرار الموقّع من “الزوجة الحالية” جيهان تم بصفتها الولي القانوني الحالي، وأني بتدخل بصفة جراحة استشارية وبناءً على استدعاء رسمي من إدارة المستشفى.
​الأهم من كده، إني أرفقت طيات الملف برفض رسمي مني لمشاركة أي فرد من العيلة في القرارات الطبية، وحظرت دخولهم للرعاية المركزة إلا بإذن طبي مني شخصياً.
​عملية الجراحة استمرت أكتر من سبع ساعات. كانت عملية حبس أنفاس، الشريان الأورطي كان شبه متمرق، بس الحمد لله، بفضل ربنا وتوفيقه، قدرت أعمل الترقيع واستبدال الجزء المنشطر وحالة الحج جلال استقرت.
​خرجت من أوبريتينج روم (غرفة العمليات) وأنا أعمامي وظهري بيتقطعوا من التعب.
لقيت يوسف وعيلته وجيهان واقفين مستنيين في الطرقة زي المجرمين اللي مستنيين الحكم.
​يوسف قرب مني بلهفة وصوت واطي:
— ياسمين.. جدي عامل إيه؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *