بعد 13سنة

مش بيدفعوا حاجة للبنك خلاص! أنا هدفع إيجار ليه؟!
هنا بصيت لأحمد.
ولأول مرة من ساعة ما بدأت المشكلة، لاحظت إن ملامحه اتغيرت.
بص للعقد مرة أخيرة وقال بهدوء
بصراحة… المبلغ مش كبير يا ماما. ده سعر طبيعي جدًا بالنسبة للمنطقة.
نوال شهقت.
طبيعي؟! ده استغلال! وأنا مش هدفع جنيه واحد!
أحمد رفع عينه من الورق.
وسألها ببطء
استني…
سكت لحظة.
إنتِ أصلًا كنتِ ناوية تيجي تعيشي معانا من غير ما تدفعي أي حاجة؟
نوال بصتله وكأن السؤال نفسه إهانة.
طبعًا!
داليا دخلت في الكلام
يعني كنتِ متوقعة تعيشي هنا ببلاش؟
نوال رفعت إيديها بعصبية.
أنا أمه!
وهنا…
شفت اللحظة اللي أحمد فهم فيها كل حاجة.
شفتها في وشه.
هو طول الوقت كان شايف الموضوع إن أمه هتيجي تقعد معانا.
يمكن كان متخيل إنها هتشارك في المصاريف.
يمكن ماكانش فكر أصلًا في التفاصيل.
لكن نوال كانت شايفة حاجة مختلفة تمامًا.
هي كانت شايفة إننا بمجرد ما خلصنا أقساط البيت، بقى من حقها تيجي تعيش فيه مجانًا.
البيت اللي أنا اشتغلت عشانه ستين ساعة في الأسبوع.
البيت اللي كنت برجع عشانه آخر الليل مش قادرة أتكلم من التعب.
البيت اللي فضلت سنين بخاف كل شهر من ميعاد القسط.
دلوقتي هي واقفة في مطبخي، ومقتنعة إن كل التضحية دي معناها إنها لقت سكن مجاني لبقية عمرها.
أحمد قال
ماما…
صوته كان مختلف المرة دي.
واضح إنك فهمتي كلامي غلط. أنا لما قلتلك إنك ممكن تيجي تقعدي هنا، ماكنتش أقصد إنك هتعيشي هنا ببلاش ومن غير ما تشاركي في أي حاجة.
فم نوال اتفتح من الصدمة.
فضلت ثواني مش قادرة تنطق.
وبعدين انفجرت
إزاي تقوللي كده؟! بعد كل اللي عملته عشانك وعشان البيت ده؟! إنتوا كلكم واقفين في صفها ضدي؟!
بصيتلها وقلت بهدوء
إنتِ فضلتي سنين تقوليلي إن البيت مسؤوليتي أنا، لمجرد إني الست.
لفت ناحيتي بعصبية.
كملت
غريبة أوي إنه فجأة بقى بيت ابنك لما احتجتي تاخدي منه حاجة.
قربت مني وقالت
أنا مش هقبل أتعامل كأني واحدة غريبة في بيت ابني!
قلت
مش هنعاملك كواحدة غريبة.
سكت لحظة.
هنعاملك كمستأجرة. ودي الشروط الوحيدة اللي أنا موافقة عليها لو هتعيشي هنا.
نوال وقفت قدامي، ودقنها كانت بتترعش من الغضب.
وبعدين قالت
خلاص! يبقى أنا مش جاية أعيش هنا! مش بالشروط السخيفة دي!
ابتسمت.
ممتاز. يبقى إحنا اتفقنا.
سكتت.
بصتلي.
وبعدين بصت لأحمد.
كانت مستنية منه يتراجع.
مستنية يقول لها
معلش يا ماما.
أو
سيبيك منها وأنا هحل الموضوع.
كانت مستنية ابنها يلغي كلامي وكأن رأيي مالوش قيمة.
لكن أحمد مد إيده وناولني العقد.
وبعدين بص لأمه وقال
ماما… منى كانت بتهلك نفسها في الشغل عشان نحافظ على البيت ده.
نوال فتحت بوقها عشان تتكلم، لكنه كمل
وإنتِ لحد دلوقتي مقتنعة إن رأيي أنا أهم من رأيها لمجرد إني ابنك وهي مراتي.
سكت لحظة.
وأنا كان المفروض أوقف الموضوع ده من سنين.
نوال بصتله بصدمة.
مش مصدقة إنك بتقوللي كده.
مسكت شنطتها بعنف.
مش مصدقة إن ابني واقف ضدي عشان مراته!
لفت ناحية الباب وخرجت.
محمود وداليا خرجوا وراها.
وفجأة…
البيت سكت.
فضلت واقفة عند رخامة المطبخ.
وأخدت نفس طويل.
أحمد ما اتحركش.
كان باصص للمكان اللي كانت أمه واقفة فيه من ثواني، كأنه لسه بيستوعب كل اللي حصل.
وبعد فترة قال
عمال أفكر في ساعات الشغل الإضافية.
بصيتله.
قال
الليالي اللي كنتِ بترجعي فيها مش قادرة تتكلمي من التعب… أنا كنت بقول لنفسي إنك بس مرهقة.
قلت
ما أنا فعلًا كنت مرهقة.
هز راسه.
مش ده قصدي.
حطيت العقد على الرخامة.
عارفة قصدك.
لف ناحيتي.
المرة دي ماكانش فيه دفاع.
ولا تبرير.
ولا جملة ماما أصلها طريقتها كده.
قال
أنا آسف.
سكت شوية.
أنا فعلًا ماكنتش شايف اللي بيحصل.
بصيتله وقلت
عارفة.
وبعدين أضفت
بس دلوقتي إنت شايف.
هز راسه ببطء.
وفضلنا فترة ساكتين.
لكن لأول مرة…
السكوت بينا ماكانش خانق.
كان كأن حاجة تقيلة جدًا اتشالت من البيت.
نوال لقت شقة تانية قبل ما عقد إيجارها القديم ينتهي.
ومن يومها، ماجابتش سيرة أوضة الضيوف تاني.
وبعد كام أسبوع، أنا وأحمد دخلنا الأوضة اللي كان المفروض تبقى أوضة نوال.
فضيناها تمامًا.
وبدأنا نغيرها.
لكن مش عشان نجهزها لحد ييجي يعيش معانا.
حولناها لمكتب ليا أنا.
جبنا مكتب حلو.
ولمبة.
وركبنا أرفف على الحيطة.
وبدأت أطلع كتبي من الكراتين اللي كانت مرمية في الجراج من يوم ما نقلنا البيت من سنين.
كتاب ورا كتاب.
ذكرى ورا ذكرى.
ولما خلصنا…
وقفت عند باب الأوضة وبصيت جواها.
ماكنتش أكبر أوضة في البيت.
وماكانش فيها أثاث غالي.
لكنها كانت أجمل أوضة شفتها من وقت طويل.
لأن بعد تلاتاشر سنة من الأقساط…
وبعد سنين من الشغل والتعب والسكوت…
وبعد ما حماتي أعلنت قدام العيلة إنها أخيرًا هتقدر تخلي البيت بيتها…
بصيت للمكتب، وللكتب على الأرفف، وللبيت اللي حاربت عشان أحافظ عليه.
وابتسمت.
لأن الحقيقة كانت أبسط من كل الخناقات دي
البيت عمره ما كان محتاج نوال تيجي وتخليه بيتها.
البيت كان بيتنا من البداية.
ولأول مرة من سنين طويلة…
بقى جواه مكان أقدر أقول عليه بكل راحة
وده مكاني أنا.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *