بعد 13سنة
نوال نفسه.
لأني في اللحظة دي حسيت إني الوحيدة الموجودة على السفرة اللي مش فاهمة حاجة.
فضلت ساكتة باقي السهرة تقريبًا.
كنت بضحك لما حد يكلمني.
وأرد بكلمتين.
لكن عقلي كان في مكان تاني تمامًا.
وبعد ما الناس مشيت، دخلت المطبخ وبدأت ألم الأطباق.
وأنا بغسلها، فضلت أفتكر كل كلمة قالتها نوال على مدار السنين.
البيت ده محتاج حد يعرف يهتم بيه.
أنا لو مكانك كنت عملت المطبخ بطريقة مختلفة.
الصالون محتاج يتغير.
الأوضة دي مش مستغلة صح.
مش فاهمة إنتِ إزاي سايبة البيت كده.
في الماضي، كنت شايفة الكلام ده مجرد انتقادات من حماة متدخلة.
لكن بعد جملتها على السفرة…
وبعد ابتسامة أحمد…
بدأ كل شيء ياخد معنى مختلف.
ليه قالت
أخلي البيت بيتي؟
وليه أحمد مااستغربش؟
هل فيه حاجة اتقالت بينهم وأنا مش موجودة؟
هل كانت نوال طول السنين شايفة إن البيت في النهاية هيبقى ليها؟
والأهم…
هل أحمد كان مخليها تفكر كده؟
ليلتها، نمت بصعوبة.
أحمد نام جنبي عادي جدًا.
لكن أنا فضلت باصة للسقف لساعات.
ماكنتش عايزة أعمل خناقة وأنا متعصبة.
وماكنتش عايزة أسأله سؤال وأسمع إجابة ممكن يحاول يجمّلها.
كنت محتاجة أعرف أنا واقفة فين فعلًا.
ومع طلوع الصبح…
كنت أخدت قراري.
ماصرختش.
ماعملتش مشكلة.
وماواجهتش نوال.
قمت بهدوء، لبست هدومي، خدت شنطتي، وخرجت من البيت.
كان عندي حاجة واحدة بس لازم أعملها.
حاجة تخلي كل شخص فاكر إن تعبي وسنيني وفلوسي ممكن تتحول فجأة إلى حق مكتسب ليه…
يفهم الحقيقة.
وبعدها بساعات…
باب البيت اتفتح بعنف.
دخلت نوال وهي شبه بتجري.
وشها كان أحمر من العصبية، وفي إيدها ورقة كانت بتترعش وهي ماسكاها.
عدّت من جنبي كأني مش موجودة.
وراحت مباشرة لأحمد.
رفعت الورقة قدام وشه وصرخت
أحمد! لازم توقفها!
أحمد قام مفزوع من مكانه.
في إيه يا ماما؟!
بصت نوال ناحيتي، وكانت نظرتها مليانة غضب وصدمة.
وبعدين رجعت بصت لابنها وصرخت
خليها ترجع في اللي عملته فورًا!
أحمد بص لي.
وبعدين بص للورقة اللي في إيد أمه.
وشه بدأ يتغير.
وقال
عملتي إيه يا منى؟
وقفت قدامهم بهدوء.
ولأول مرة من سنين، ماحسيتش إني مضطرة أبرر نفسي لنوال.
مديت إيدي ناحية الورقة وقلت
لا يا أحمد… السؤال مش أنا عملت إيه.
سكت لحظة، وبصيت في عينه مباشرة.
ثم قلت
السؤال هو أمك عرفت بالسرعة دي إزاي؟
وساعتها…
نوال سكتت فجأة.
وأحمد شحب وشه.
لأن الورقة اللي كانت ماسكاها حماتي…
ماكانش المفروض أصلًا توصل لها.
في نفس اللحظة، فهمت ليه نوال دخلت البيت وهي بتصرخ
أحمد! لازم توقفها! خليها ترجع في اللي عملته!
أحمد نزل السلم بسرعة، ولسه باين عليه إنه صاحي من النوم بالعافية، وبص للأوراق اللي أمه كانت بتلوّح بيها في إيده.
في إيه يا ماما؟ مالك؟
نوال زقت الورق في صدره بعصبية وقالت
مراتك بعتتلي ده! شوف بنفسك الإهانة اللي مراتك عملتها في أمك!
أحمد أخد الورق منها، وبدأ يقراه.
وأنا فضلت واقفة عند رخامة المطبخ، قدامي فنجان القهوة، ومستنية.
نوال صرخت
عايزاني أدفع إيجار يا أحمد! إيجار عشان أعيش في بيت ابني!
أيوه.
ده بالضبط اللي كنت عملته الصبح.
بعد ما فضلت طول الليل أفكر في كلام نوال، وفي الاتفاق اللي هي وأحمد عملوه من ورا ضهري، قررت إني مش هصرخ، ومش هتخانق، ومش هفضل أحاول أقنعهم إن اللي حصل غلط.
طالما نوال قالت قدام العيلة كلها إنها عايزة تخلي البيت بيتها…
تمام.
يبقى نتعامل مع الموضوع رسمي.
قعدت على اللابتوب، وكتبت عقد إيجار كامل.
تلات صفحات.
حددت فيه إيجار شهري مناسب لسعر تأجير أوضة في منطقتنا.
وكتبت نصيبها من فواتير الكهرباء والمياه والغاز والإنترنت.
وكتبت قواعد البيت.
ومواعيد الهدوء.
وتقسيم التنظيف.
واستخدام الأماكن المشتركة.
كل حاجة كانت مكتوبة بوضوح شديد.
وفي الساعة تسعة الصبح بالضبط، بعت العقد لنوال.
ماعداش وقت طويل وكانت واقفة في مطبخي بتصرخ.
حطيت فنجان القهوة على الرخامة وقلت بهدوء
مش فاهمة المشكلة فين؟ إنتِ قولتي بنفسك إنك عايزة تعيشي هنا وتخلي البيت بيتك.
لفت ناحيتي بسرعة.
وشها كان أحمر من العصبية.
الأم ماتدفعش إيجار عشان تعيش مع ابنها!
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت
غريبة.
سكتت وبصتلي.
قلت
أنا فضلت سنين بدفع تمن البيت ده، وبرضه كنتِ بتتصرفي كأنه بيتك إنتِ.
المطبخ سكت تمامًا.
أحمد بص للعقد مرة تانية.
المرة دي بدأ يقراه فعلًا بدل ما يبص عليه بسرعة.
لكن قبل ما يقول أي كلمة، موبايل نوال رن.
بصت للشاشة.
وفجأة جزء من غضبها اختفى، وحل مكانه نوع من الثقة.
قالت
كويس.
وبعدين رفعت راسها وبصتلي.
على فكرة، إنتِ مش هتحاسبي قدامي أنا بس على الإهانة دي.
عقدت حواجبي.
يعني إيه؟
لكن قبل ما تجاوب…
جرس الباب رن.
وبعد ثواني رن مرة تانية.
أحمد بصلي باستغراب.
مستنية حد؟
وقبل ما أرد، نوال قالت
أنا اللي مستنياهم.
راحت ناحية الباب وفتحته.
ولما شفت مين واقف بره، فهمت هي كانت مستنية إيه.
كان محمود، أخو أحمد.
ومعاه خالته داليا.
دخلوا البيت، وداليا بصتلي باستغراب وقالت
في إيه يا منى؟ نوال كلمتنا الصبح وهي منهارة، وبتقول إنك عملتي فيها حاجة وحشة جدًا.
محمود قال
ماما قالت لازم نيجي ونشوف بنفسنا.
نوال خطفت العقد من إيد أحمد وناولته لمحمود.
اتفضل! اقرأ! شوف مرات أخوك عايزة تعمل في أمك إيه!
محمود بدأ يقرا.
وداليا وقفت جنبه تقرا من فوق كتفه.
وبعد لحظات داليا رفعت عينيها وقالت
إنتِ طالبة منها إيجار؟
قبل ما أرد، نوال قالت بانفعال
أيوه! حوالي ألف دولار في الشهر! متخيلين؟!
محمود بص في الورقة مرة تانية.
وبعدين رفع عينه لأمه باستغراب.
بس يا ماما… ده أقل من الإيجار اللي إنتِ بتدفعيه في شقتك دلوقتي.
نوال اتجمدت.
محمود كمل
وبعدين إنتِ هتسيبي شقتك وتيجي تعيشي هنا. طبيعي تدفعي حاجة.
نوال بصتله كأنه خانها.
طبيعي؟!
أيوه.
قالت بعصبية
البيت مابقاش عليه أقساط! هما