الجراح فى بطنى

قريت الاسم تلات مرات ورا بعض قبل ما عقلي يقدر يستوعبه أو يصدقه..
​”حمزة”.. ابني اللي لسة مكملش اتناشر يوم! اسمه مكتوب في وثيقة رسمية ومؤرخة من حادي عشر سنة قبل ما يتولد أصلاً!
​إيدي كانت بتترعش وأنا بحط الصورة على الترابيزة. المحامي “كمال” كان بيراقب ملامح وشي بتركيز وقال بصوت حاسم:
– “إحنا محتاجين أصل الوثيقة دي يا سيادة العقيد.. مش الصورة، ولا الملف المشطوب منه أسماء. محتاجين الأصل.”
​هزيت راسي بالموافقة. حمزة اتململ على صدري، فطبطبت عليه بهدوء لحد ما رجع ينام تاني.
​في نفس اليوم بالليل، المحامي قدم طلب عاجل للمحكمة. وبحلول الصبح، القاضي أصدر أمر بضرورة إحضار أصل الوثيقة، لأن المستقبل القانوني لِطفل قاصر بقى على المحك.
​على الضهر، كنا رجعنا لنفس قاعة الاجتماعات اللي انتهى فيها جوازي من شريف..
​السيدة “ماجدة” (رئيسة مجلس الإدارة) كانت واقفة جنب الشباك، والنور الجاي من برة عكس صرامة ملامحها. وجنبها كان واقف “اللواء حسام” بملابس مدنية، بس وقفته وهيبته العسكرية ماكانتش محتاجة بدلة عشان تبان.
​دخل المندوب وحط ظرف مقفول بالشمع الأحمر على الترابيزة.
​المحامي كمال فتح الشمع بالراحة، وسحب أصل وثيقة إلغاء التوكيل المالي والتوصية. اسم الوصي المالي كان مستخبي تحت شريط لاصق أسود.
​كمال شال الشريط بالراحة..
​الاسم المكتوب كان: “سيادة اللواء حسام الدين.. المخابرات الحربية – متقاعد.”
​بصيت للواء حسام بذهول وصدمة. هو ما هربش ببريق عينيه، وبصلي بصلابة وقال:
– “والدك المصر هو اللي طلب مني أتحمل المسؤولية دي يا مريم.. وخلاني أوعده إني أحمي الحق ده لحد ما ابنك يتولد.”
​صوتي خرج بالعافية وقلتله:
– “حضرتك كنت تعرف بابا منين؟”
​رد بنبرة فيها وفاء وإجلال:
– “والدك كان معلمي وأستاذي.. وهو السبب الرئيسي إني أكون ضابط في القوات المسلحة.”
سكت لحظة، وبعدها كمل بنبرة تقيلة نزلت زي الحجر في صدري:
– “وكان يعرف شريف… من قبل ما أنتي تعرفيه بسنين!”
​اللواء حسام سحب الكرسي وقعد قصادي على الترابيزة، وبصلي بجدية وقال:
– “أنا هقولك كل اللي أعرفه…”

سحب اللواء حسام نفس عميق، وبص لـ “حمزة” اللي نايم في حضني، وبعدها ثبت عينيه في عينيا وقال بصرامة هادية:
​– “شريف ما دخلش حياتك بالصدفة يا مريم.. شريف هو ابن ‘الشرقاوي’، المنافس القديم لوالدك الله يرحمه في سوق المقاولات والتوريدات. والدك كشف زمان لجوء الشركة دي لأساليب مش مشروعة، وتسبب في إفلاسهم وسجن أبوه.”
​جمعت حواحبي بصدمة، واللواء كمل:
​– “شريف درس شخصيتك ونقاط قوتك، واستغل طيبتك وقت وفاة والدك عشان يتقرب منك ويكسب ثقتك. كان فاكر إنه لما يتجوزك هيقدر يوصل للأصول المالية والعقارات اللي والدك سابها باسمك، والتوصية المشروطة اللي تحمي عيلتكم.”
​سألته وصوتي بيترعش من القهر:
– “طب وإيه دخل اسم حمزة ابني في الوثيقة دي من حادي عشر سنة؟!”
​ابتسم اللواء حسام ابتسامة خفيفة فيها فخر ووفاء وقال:
– “والدك كان سابق عصره، وكان يملك حِس أمني عالي جداً. قبل ما يتوفى، كان شاكك في نوايا شريف بس ما كانش عنده دليل قاطع يثبته ليكي. فعمل وثيقة أمانة وتوصية مشروطة بتمتلكها عيلتك، وكتب إن أي أصول أو أسهم في الشركة تؤول فوراً لـ ‘الحفيد الأول للمجلس والعائلة’ اللي هيتسمى على اسم الجد… ‘حمزة’. وحطني وصي قانوني وميداني على الأصول دي لحد ما الطفل يوصل للدنيا، عشان يضمن إن شريف ما يلمسش مليم واحد منها، ولا يعرف حتى بوجود السر ده إلا لما تنتهي صفتك القانونية معاه!”
​سكتت لحظة، والذهول أكل عقلي.. بس كان لسة فيه لغز أخير بيطاردني:
– “طب ومين الشخص المجهول اللي كان بيبعتلي كل الصور والأدلة وفواتير الفنادق والتقارير المالية على الواتساب طوال الأيام اللي فاتت؟”
​اللواء حسام شاور بإيده ناحية باب القاعة.. الباب اتفتح، ودخلت فريدة!
​بس ما كانتش فريدة بتاعة الصبح المتكبرة اللي قاعدة جنب شريف، كانت لابس هدوم بسيطة جداً، ووشها باين عليه التعب والندم، وفي إيدها فلاشة صغيرة.
​شريف لو كان موجود كان اتجلط في أرضه!
​اللواء حسام قال بثبات:
– “فريدة ما كانتش خائنة يا مريم.. فريدة هي اللي ألقت القبض على طمع شريف. فريدة ضابطة تحريات ومراجعة حسابات كلفناها تدخل شركة شريف من سنتين بصفة مستشارة، بعد ما استشعرنا وجود تلاعب واختلاسات من أموال الدولة والشركة.”
​فريدة قربت مني بخطوات هادية، وقالت بنبرة فيها احترام شديد:
– “سيادة العقيد مريم.. أنا أسفة على المظاهر والتمثيل الصعب اللي اضطريت أعمله قدامك في الجلسة الصبح. شريف كان فاكر إنه بيخدعني وبيستغلني، وما كانش يعرف إني بنقل كل حركة وكل فاتورة تحويل للواء حسام والمكتب أول بأول. والحمل ده.. كان مجرد غطاء عشان أبعد الشبهات عن شغلي لحد ما نجمع الضربة القاضية.”
​فريدة حطت الفلاشة قدامي وقالت:
– “الملف الأسود اللي كان معاكي الصبح.. أنا اللي جمعت كل ورقة فيه، واللواء حسام هو اللي كان بيبعتهولك أول بأول عشان تاخدي حقك وحق ابنك بنفسك وفي الوقت المناسب قدام مجلس الإدارة.”
​بصيت لـ حمزة الصغير وهو نايم في أحضاني، وتحسست جرح العمليات اللي كان بيوجعني.. الوجع ما اختفاش، بس القهر والشك اتفركشوا تماماً.
​اللواء حسام وقف وفرد ضهره، وقال بنبرة عسكرية واثقة:
– “حق والدك رجع، والشركة اتقفلت في وش شريف ورجالته، والقضايا اللي على وشه كفيلة تسجنه بقية حياته.. وحمزة ابنه بقى هو المالك الشرعي لكل حاجة بتأمين كامل.”
​بصيت للصور وللملف الأسود، وابتسمت لأول مرة من اتناشر يوم.. ابتسامة ست وعقيد عرفت تقلب الطاولة، وتثبت إن الحق مهما استخبى في الضلمة، المخابرات والعقول الذكية قادرة تطلعه للنور.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *