الجراح فى بطنى

السكوت في القاعة كان تقيل جداً.. تقيل لدرجة إني كنت سامعة صوت نَفَس حمزة المنتظم وهو نايم على صدري.
​كل الخيوط اللي كانت مشابكة في عقلي طوال الأسابيع اللي فاتت اتفكت في لحظة. الشخص المجهول، الملف الأسود، الوثيقة القديمة، وحتى فريدة اللي كنت فاكراها ضرتي وخاطفة جوزي!
​بصيت لفريدة وقبل ما أقول أي كلمة، هي كملت بنبرة واثقة:
– “شريف دلوقتي محجوز عليه في مكتب التحقيقات العسكرية والمالية يا سيادة العقيد. أول ما خرج من القاعة الصبح وهو مصدوم ومذهول، كانت عربيات التفتيش والمباحث مستنياه في الجراج تحت.”
​اللواء حسام مسك أصل الوثيقة، وحطها قدامي على الترابيزة وقال بصوت دافئ فيه نبرة الأبوة:
– “والدك الله يرحمه ما كانش بس ضابط كفء.. كان بيحبك فوق ما تتخيلي يا مريم. لما عرف إن شريف بيحاول يقرب منك قبل وفاته بأسابيع، قالي: ‘مريم بنتي جبل، بس قلبها أبيض.. وأنا لازم أؤمنها هي والحفيد اللي هييجي، عشان لو الجبل ده اتهز في يوم، يلقى أرض صلبة يقف عليها’.”
​دمعة دافية نزلت من عيني على وش حمزة الصغير، حطيت إيدي بالراحة على خده الناعم وقلت:
– “يعني بابا كان عارف.. وكان حاميني حتى وهو تحت التراب.”
​اللواء ابتسم وقال:
– “والدك سابلك حماية قانونية وميدانية لا يمكن لـ شريف ولا لأجداده يخترقوها. الوثيقة دي بتثبت إن 60% من أسهم المجموعة والشركات العقارية تؤول فوراً لحمزة، وتحت وصايتك أنتِ بصفتك الأم والوصي الشرعي، وبإشراف قانوني مننا لحد ما يبلغ السن القانوني.”
​في اللحظة دي، رئيسة مجلس الإدارة، السيدة ماجدة، قربت مني ومسكت إيدي باحترام شديد وقالت:
– “أنا بأعتذرلك باسم المجلس كله يا سيادة العقيد.. شريف استغل اسمه وقربك مننا عشان يمرر صفقات مشبوهة، بس بفضلك وبفضل المراجعة المالية اللي عملتيها، الشركة نضفت تماماً. وأحكام المحكمة هتبدأ من بكرة لإعادة تسجيل الأسهم باسم ابنك حمزة.”
​بعد أسبوعين..
​كنت واقفة قدام مبنى مجمع المحاكم في التجمع الخامس. الشمس كانت طالعة وصافية.
​شريف كان خارج من سيارة الترحيلات، لابس أفرول السجن الأزرق، ومكلبش في الإيدين. وشه اللي كان طافح غرور وتكبر الصبح، بقى شاحب ومكسور ومحدش جانبه.
​أول ما شافني واقفة بثبات، ولافة حمزة في أحضاني، خطواته اتعثرت.
​قربت منه ببطء، ومشيت بثبات رغم إن جرح القيصرية كان لسة بيشد عليا.. بس وجع جسمي كان ولا حاجة قصاد النصر اللي حققته.
​وقف قصادي وهو يبصلي بذهول وكسرة وقال بصوت مخنوق:
– “مريم.. أنتي دمرتيني! أنتي بعتيني للمحاكمة والسجن؟!”
​بصيت في عينيه بمنتهى البرود والصلابة وقلتله:
– “أنا ما دمرتكش يا شريف.. أنت اللي دمرت نفسك من اللحظة اللي بعت فيها كرامتك، وسرقت شركة ناس ائتمنوك، وسبت مراتك تنزف في أوضة العمليات عشان سهرة. أنت نسيت إنك اتجوزت عقيد في المخابرات.. فاكر إن العضلات والفلوس هي اللي بتكسب، ونسيت إن العقول هي اللي بتدير المعارك.”
​بص للطفل الصغير اللي في حضني وحاول يمد إيده المكلبشة، بس أنا رجعت خطوة لورا وقلتله:
– “حمزة هيتربى في وسط أهله، هيعرف يعني إيه شرف، ويعني إيه كلمة راجل بجد.. وحقه اللي حاولت تسرقه، بقى مكتوب باسمه للأبد.”
​العساكر أخدوه وركبوه عربية الترحيلات، والباب اتقفل بصوت تقيل أعلن نهاية الفصل الأخير من خيانته.
​لفيت ضهري ومشيت ناحية عربيتي، كان اللواء حسام وفريدة مستنييني برة.
​اللواء حسام فتحلي باب العربية وقال بابتسامة فخر:
– “جاهزة ترجعي لخدمتك ومكتبك يا سيادة العقيد؟”
​رفعت راسي للسما، ونظّمت نَفَسي وقلت بثقة:
– “جاهزة يا فندم.. المعركة دي خلصت، وحمزة بقى في أمان.”
​بصيت لحمزة اللي فتح عينيه الصغيرين وبصلي، وحسيت إن كل نقطة دم ووجع عدت عليا كانت ثمن بسيط عشان أحمي ابني وأرجع حق أبويا.. الملف الأسود انقفل، بس الحياة الجديدة يادوبك كانت بتبدأ.
​تمت

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *