جوزى كسر رجلى
كنت بسحب جسمي بصعوبة، وأنا بكتم صرخاتي بإيدي.
لحد ما وصلت لدرج صغير جنب الباب.
فتحت الدرج بإيدي المرتعشة، ولقيت جواه أداة قديمة كان كريم سايبها هناك.
بصيت ناحية الباب…
وبعدين بصيت للأداة.
وقلت لنفسي:
“لو فضلت هنا لحد الصبح… ممكن ما أخرجش أبدًا.”
مسكت الأداة وبدأت أفك المسامير الصدّية اللي ماسكة الشبكة الحديد اللي على باب الخدمة.
مسـمار…
وبعده التاني…
وكل ما الألم يزيد، كنت بكمل.
ماكنتش عارفة وقتها إن اللي بعمله ده هيكون أول خطوة في أكبر كابوس في حياة كريم وأهله.
ماكنتش عارفة إن قبل ما الشمس تطلع…
العيلة اللي كانت فاكرة إنها كسرتني وخلصت مني…
هتعرف حقيقة واحدة مرعبة:
الست اللي حاولوا يحاصروها… كانت خلاص لقت طريقها للهروب.
والأخطر من كده؟
إنهم ماكانوش يعرفوا إن في تسجيلات مخبية…
وإن في محامي كان على بعد مكالمة واحدة مني…
وإن السر اللي كنت مخبياه عن كريم وأهله من سنين…
لو خرج للنور، كان كفيل يقلب حياتهم كلها رأسًا على عقب.
الحكاية طويلة ومش هينفع أنزلها كلها في الكابشن…
لو عايزة تعرفي إيه اللي حصل لما كريم وأهله راحوا المستشفى بعد 3 أيام عشان يذلّوها من جديد، وإيه هو السر اللي كانت مخبياه عنهم…
#انجي_الخطيب
انفتح باب أودة المستشفى ببطء، وتدفق الهواء البارد ومعاه صوت خطوات واثقة، خطوات حد جاي يحتفل بالنصر.
دخل كريم، ووراه أمه نوال اللي كانت لافّة شالها بحركة كبرياء، وأبوه فؤاد اللي كان بيبص للرغوة اللي في كوباية القهوة في إيده، كأنه بيتجنب يبص في عيني.
كان بقالي تلات أيام في السرير ده، رجلي متجبسة ومرفوعة تحت الأجهزة، لكن لأول مرة من شهور، قلبي كان هادي بشكل يرعب.
كريم قرب من السرير، ورمى دوسيه أبيض على ركبتي، وبصلي بابتسامة شامتة وقالي:
“حمد الله على السلامة يا حرمنا المصون… أظن الكام يوم دول خلوكي تفكري كويس وترجعي لعقلك. التقرير الطبي مكتوب فيه إنك وقعتي على السلم، والدوسيه ده فيه تنازل عن شغلك، واستقالتك جاهزة هتوقعي عليها حالًا.”
نوال قربت وهي بتحط إيدها في وسطها، ووزعت نظرة احتقار على الأودة وقالت:
“عشان تعرفي بس إن مالكيش غيرنا، وإن الشويتين بتوع الهروب من باب الخدمة دول ماياكلوش معانا… إنتي هنا تحت إيدنا، ورجلك المكسورة دي تضمن إنك مش هتعدي عتبة الشقة تاني إلا بإذن ابننا.”
سكتت ثواني… بصيت لكريم في عينيه، ومن غير ما اتهز ولا حرف، ابتسمت نص ابتسامة وقالت:
“خلصتوا؟”
كريم حواجبه اتعقدت وبصلي باستغرب:
“إنتي بتتبسمي على إيه يا مجنونة إنتي؟ توقّعي وإنتي ساكتة بدل ما نلغي علاجك ونخلي الدكاترة يرموكي بره!”
في اللحظة دي، صوت رازن ومهندم طلع من ورا الستارة الفاصلة في الأودة:
“أفتكر إن المحاولة دي هتتضم لسجل الابتزاز والاعتداء الجسدي العمد، يا أستاذ كريم.”
انشقت الستارة، وخرج الأستاذ هشام، محامي العيلة الشهير اللي كان لابس بدلة كحلي أنيقة ومسك في إيده شنطة جلد.
كريم اتخض ورجع خطوة لورا:
“إنت مين؟! وإيه اللي جابك هنا؟!”
الأستاذ هشام طلع تليفونه بهدوء، وضغط على زرار التشغيل.
وفجأة… الصوت المألوف ملأ الأودة، صوت كريم وهو بيهمس لأبوه ببرود في المطبخ ليلة الحادثة:
“هتعيش… بكرة هنقول إنها وقعت لوحدها. وبعدها هتسيب شغلها وتقعد هنا… وساعتها هنبقى مسيطرين عليها تمامًا.”
وبعدها صوت نوال وهي بتقول:
“هي كانت محتاجة تتربى… الست اللي ماتحترمش جوزها لازم تعرف حدودها.”
الدم هرب من وش كريم. نوال حطت إيدها على بقها بصدمة، وأبوه فؤاد القهوة وقعت من إيده على الأرض.
المحامي بص لكريم وقال ببرود:
“التسجيل ده متبعت حالًا للنيابة العامة مع تقرير الطب الشرعي اللي أثبت إن الكسر ناتج عن ضرب مباشر بأداة خشبية مش سقوط من على السلم. البلاغ اترفع بالفعل بتهمة الشروع في قتل والتعدي العمد وحبس الحرية.”
كريم بدأ يعرق وشفايفه ترتعش، وبصلي بغضب مكتوم:
“إنتي… إنتي سجلتينا؟! إنتي فاكرة إن شوية التسجيلات دي هتخوفني؟ أنا أقدر أطلع منها زي الشعرة من العجين، وأبويا معاه معارف ينسّوكي اسمك!”
هنا… عدلت نفسي في السرير بصعوبة، وعيني جات في عين أبوه فؤاد، وقلت بنبرة حادة:
“مش لما تضمن إن أبوك نفسه مش هيسلكك يا كريم؟”
فؤاد اتخض وبصلي:
“تقصدي إيه يا بنيتي؟”
بصيت لكريم اللي وشّه بقى أبيض زي اللبن، وكأنه فهم الضرب الجاية فين.
قلت بهدوء مرعب:
“أقصد إن كريم ابنك المصون… بقاله سنتين بياخد توقيعاتك المزورة على أوراق الشركة، وساحب من حساباتك في البنك أكتر من 4 مليون جنيه، ومسجلهم باسم شركة وهمية بره مصر… والأدهى من كده؟ إنه كان بيخطط يلبسك إنت الق\ضية ويهرب بالفلوس، والورق والمستندات الأصلية بتوقيعه وبصمته كانت مخفية في الخزنة اللي فاكر إني معرفش مكانها.”
فؤاد بص لكريم بذهول وصدمة زلزلت كيانه:
“إنت… إنت بتسرقني يا كريم؟! بتسرق أبوك اللي عملك بني آدم؟!”
كريم اتلجلج وصوته راح:
“لا يا بابا… كدابة! دي بتتبلى عليا عشان تنقذ نفسها!”
فتحت الشنطة الصغيرة اللي جنب السرير، وطلعت منها ملف أحمر، ورميته قدام فؤاد:
“شيكاتك المزورة، وتنازلات أراضيك اللي بصّمك عليها وأنت نايم في العناية السنة اللي فاتت… كلها في الملف ده يا عمي فؤاد. والنسخ الأصلية مع الأستاذ هشام، جاهزة تروح للنيابة مع بلاغ الضرب.”
نوال وقعت على الكرسي وهي بتشهق، وفؤاد مسك صدره وهو حاسس بأزمة قلبية، وبص لابنه بنظرة كره عمر كريم ما شافها في حياته.
قربت برأسي ناحية كريم اللي كان واقف مشلول ومش قادر ياخد نفسه، وقلتله بصوت واطي لكنه هز أركانه:
“كنت فاكر إنك كسرلي رجلي عشان تخليني أفتكر مقامي؟… الحقيقة إنك بالضربة دي، جنيت على نفسك وعلى عيلتك كلها. دلوقتي قدامك خيارين يا كريم… إما تخرج من حياتي بالورقة والقلم وتنساني للأبد وتسلم نفسك لأبوك والشرطة… أو أضمنلك إن الشمس مش هتطلع عليك بكره غير وإنت ورا القضبان بتدفع ثمن كل لحظة وجع عيشتها بسببك.”
كريم كان واقف مذهول ومسمار في مكانه، مش قادر يستوعب إن كل الكروت اللي كان فاكر إنه بيلعب بيها اتكشفت في لحظة. إيديه كانت بترتعش، ونظراته بتاعة التهديد والسيطرة تحولت لنظرات خوف ورعب طفل اتكشف وهو بيسرق.
فؤاد قرب منه بخطوات سريعة، وبعصبية عمر ما حد شافها فيه، ضرب كريم بالقطم على وشّه بصوت هز أركان الأودة:
“بتسرقني يا ابن الكلب؟! بتزور إمضتي وأنا العيان اللي كنت بصرف عليك وعلى قرفك؟ بتبصمني وأنا غايب عن الوعي في العناية المركزة؟!”
كريم رجع لورا وهو حاطط إيده على وشه، وصوته بيقطع:
“يا بابا… أفهمك بس والله دي… دي كانت خطة عشان الشركة…”
“سد حنكك!”
فؤاد صرخ فيه وهو نهجان ومسك صدره بوجع، وبعدها تلف ناحيتي، ونبرة صوته اتغيرت تمامًا من القسوة للترجي:
“يا بنتي… إحنا آسفين، حقك عليا أنا. التقرير والتسجيل ده لو وصلوا للنيابة، اسم العيلة وسمعتنا هتتدمر في السوق، وكريم ده هيترمي في السجن!”
نوال نسيّت كل التكبر والشال العالي اللي دخلت بيه، وجريت ناحية السرير وهي بتعيط وبتمسك في إيدي:
“أرجوكي يا بنتي… أستحلفك بدموعي، بلاش تخربي بيتك وتفضحينا. ده جوزك وحبيبك، واعتبري اللي حصل ده ساعة شيطان… أنا بنفسي هخدمك تحت رجليكي لحد ما تخفي!”
سحبت إيدي منها بمنتهى القرف وبصيتلها بجمود:
“ساعة شيطان؟ لما تسيبوني ألتوي من الألم على أرض المطبخ وأنا رجلي مكسورة وتطلبوا أكل وتتفرجوا على التليفزيون، دي كانت ساعة شيطان؟ لما ابنك يضربني بعصاية خشب عشان تأخير أربعين دقيقة في الشغل، وتقوليلو ‘كانت محتاجة تتربى’، ده كان شيطان ولا قسوة وغل منكم؟”
الأستاذ هشام المحامي طلع من شنطته مجموعة أوراق ثانية، وحطها على الترابيزة جنب السرير، وقال بصوت حاسم:
“قدامكم عشر دقايق. الأستاذة هنا مجهزة وثيقة طلاق إبراء بنفقات مؤخر وصداق مع إقرار بالتعويض الطبي والمادي عن الإصابة العمدية، بالإضافة لتنازل كامل عن أي متعلقات تخصها في الشقة. كريم يوقع حالًا، مع شيك بمبلغ التعويض… يا إما المحضر هيتحرك من قسم الشرطة للنيابة، والملف المالي هيتوجه لمباحث الأموال العامة.”
كريم بص لأبوه وهو مستني منه أي إنقاذ، لكن فؤاد بص له بنظرة كره واحتقار وقاله بمنتهى القسوة:
“وقّع يا كريم… وقّع وهات الشيكات، وبعد ما تخلص… تنسى إن ليك أب، وحسابي معاك على اللي سرقته هيترد بالقانون، مش هرحمك!”
بإيدين بترتعش وعينين مليانة دموع الخيبة والهزيمة، مسك كريم القلم. كان بيوقع كل ورقة وكأنه بيوقع على نهاية غروره وسيطرته.
بعد ما خلص، المحامي أخد الورق ورجعه الشنطة بابتسامة نصر هادية، وبص لكريم وقال:
“دلوقتي تقدروا تتفضلوا بره… الدكتورة محتاجة ترتاح.”
فؤاد أخد مراته نوال من إيدها وهو بيسحبها وراه، وبص لكريم وقال بحدة:
“قدامي على العربية… عشان نفتح الخزنة ونشوف البلاوي اللي عملتها.”
خرجوا الثلاثة من الأودة، وباب المستشفى اتقفل وراهم بصوت هادي، وسابوا وراهم هدوء عجيب ومليان راحة.
بصيت للشبّاك اللي كان بيطل على الشارع… كانت الشمس بتبدأ تطلع، والنور بيدخل الأودة ببطء وينور كل زاوية فيها.
حطيت إيدي على رجلي المتجبسة، ولأول مرة من سنين حسيت بنفسي طالع صافي وخفيف. الألم كان لسه موجود، لكن الخوف… الخوف كان اختفى تمامًا ومبقاش ليه مكان.
هشام المحامي ابتسم بهدوء وهو بيعدّل نظارته، وحط ملف التنازلات الرسمي وعقد الطلاق الموثق على السرير قدامي وقالي:
“مبروك يا مدام… بقيتي حرة تمامًا بالورق والقلم، والشيك اتحول لحسابك المصرفي، والتهديد المالي اللي كان عاملينه عليكي بقى هو السيف اللي متعلق على رقبتهم.”
دمعة دافية نزلت من عيني ببطء، بس المرة دي ماكانتش دمعة قهر ولا وجع… كانت دمعة خروج من الضلمة للحرية. حسيت إن القفص الحديد اللي كنت محبوسة فيه سنين اتنسف في لحظات، وإن الناس اللي افتكروا إنهم يقدروا يدوسوا عليا ويستغلوا طيبي ويسلبوني إرادتي، اكتشفوا إن الست لما تقرر تدافع عن نفسها، ما حدش يقدر يقف في طريقها.
بعد شهرين كاملين من العلاج الطبيعي والمتابعة، وقفت على رجلي تاني من غير العكاز. كنت واقفة قدام شباك مكتبي الجديد في الشغل، والشمس طالعة ومالية المكان دفا.
تليفوني رن، وكان الأستاذ هشام بيبلغني بآخر الأخبار. فؤاد ما سكتش لابنه؛ أخد كل المستندات والتزويرات ورفع ق\ضية استيلاء، والنيابة تحفظت على أموال كريم وشمعت الشركة الوهمية اللي كان عاملها، وبقى بيتردد على النيابات والمحاكم ومتهدد بالسجن في أي لحظة. أما نوال، فالست اللي كانت بتتباهى بعز ابنها وسيطرتها، بقت عايشة في عزلة تامة ومش قادرة ترفع عينها في وش حد بعد ما الفضيحة ملت العيلة والمنطقة كلها.
قفلت المكالمة وبصيت لرجلي اللي خفت تمامًا، وابتسمت برضا. كريم كان فاكر إنه بكسر رجلي هيعلمني مقامي… وماكانش يعرف إنه بالضربة دي، صحى جوايا الست اللي ما بتنكسرش، وبدأ بإيده أخر فصل في حكايته، وأول فصل في حريتي.