الحاجه فاطمه كانت مسافره

قلبها يخفق بقوة كأنها شابة في أول موعد حب. في صالة الوصول كانت تمشي ببطء عيناها تمسحان الوجوه بلهفة وخوف تخشى أن يكون كل ما حدث مجرد خدعة قاسېة. ثم رأتهم. ثلاثة رجال في منتصف العشرينات ملامحهم تحمل شيئا مألوفا نفس العيون نفس الابتسامة التي كانت تعرفها في طفولتهم. للحظة لم يتحرك أحد. الزمن توقف مرة أخرى لكن هذه المرة لم يكن مؤلما. تقدم أحدهم خطوة ثم قال بصوت مرتجف جدتي سقطت الحقيبة من يدها واڼهارت دموعها قبل أن ټنهار ركبتاها. ركضوا نحوها احتضنوها بقوة كأنهم يحاولون تعويض عشرين عاما في حضڼ واحد. كان البكاء مختلطا بالضحك والناس حولهم يراقبون المشهد دون أن يفهموا قصته لكنهم شعروا بثقله. في الأيام التالية بدأت الحقيقة تظهر قطعة تلو الأخرى. جلسوا معا في شقة صغيرة يتبادلون القصص كمن يجمع شظايا مرآة مکسورة. أخبروها كيف تم نقلهم من المستشفى إلى دار رعاية سرية كيف تم تغيير أسمائهم وكيف تبنتهم عائلات مختلفة مقابل مبالغ مالية ضخمة. أحدهم اكتشف الحقيقة صدفة عندما احتاج إلى ملفه الطبي لإجراء عملية ورأى اسمه الحقيقي في وثيقة قديمة. بدأ البحث الخيط قاد إلى خيط آخر حتى وصلوا إليها. في تلك الأثناء وفي بلد آخر كان الضابط الشاب في المطار لا يزال غير قادر على نسيان ما حدث. الصورة الدموع الحقيبة كلها كانت تطارده. قرر أن يبحث ليس بصفته ضابطا فقط بل كإنسان. تواصل مع الجهات المختصة وبدأ تحقيقا داخليا هادئا. ما اكتشفه

كان صاډما شبكة قديمة لتجارة الأطفال تورط فيها أطباء موظفون ومسؤولون كبار ملفات أغلقت بالقوة وأسر أسكتت بالټهديد. اسم مريم كان واحدا من عشرات الأسماء لكن قصتها كانت الدليل الحي الوحيد الذي لم يدفن. بعد أسابيع استدعيت مريم للشهادة. دخلت قاعة المحكمة بملابس بسيطة تحمل نفس الحقيبة الرمادية. وقفت أمام القضاة بثبات لم يعرفه عنها أحد من قبل وتحدثت. تحدثت عن تلك الليلة عن الأوراق عن الصمت الذي فرض عليها عن السنوات التي عاشت فيها وهي تشعر أنها أم

فاشلة وجدة عاجزة. عندما أنهت كلامها لم يكن هناك شخص واحد في القاعة لم يتأثر. بدأت الاعتقالات انكشفت أسماء سقطت مناصب وتحولت قصتها إلى قضية رأي عام. الصحف تحدثت عن الجدة التي كسرت الصمت وعن حقيبة رمادية كشفت چريمة عمرها عشرون عاما. أما مريم فعادت إلى بيتها الجديد حيث علقت الصور القديمة بجانب صور حديثة وملأت الغرف بالضحك الذي افتقدته طويلا. في إحدى الأمسيات جلست على الشرفة تحتسي الشاي وأحد أحفادها بجانبها. قال لها بهدوء هل ندمت يوما لأنك لم تتوقفي عن البحث نظرت إلى السماء ثم ابتسمت ابتسامة مليئة بالسلام وقالت لو توقفت لكنت مت مرتين. اليوم فقط أنا حية.
مرت شهور بعد ذلك لكن حياة مريم لم تعد كما كانت قبل الرحلة. البيت الذي سكنت فيه مع أحفادها لم يكن مجرد جدران وأثاث بل مساحة تعلموا فيها كيف يعيشون معا رغم الفجوة الهائلة التي صنعها الزمن. في البداية كان الصمت يزورهم كثيرا صمت ثقيل لا يشبه صمت الفقد بل صمت أشخاص لا يعرفون من أين يبدأون الحكاية. مريم كانت تستيقظ فجرا كعادتها القديمة تعد الشاي ثم تجلس تراقبهم وهم نائمون تخشى أن يكونوا حلما يختفي إذا أغمضت عينيها طويلا. كانت تلمس وجوههم وهم نائمون لتتأكد أنهم حقيقيون أن دفء أنفاسهم ليس خدعة أخرى من الحياة. أما هم فكانوا ينظرون إليها بحذر في البداية لا لأنهم لا يحبونها بل لأنهم لم يعرفوا كيف يكون للإنسان جذور بعد أن عاش عمره كله وهو يظن نفسه شجرة بلا أصل. كانوا ينادونها جدتي أحيانا ويتوقفون فجأة كأن الكلمة أثقل مما توقعوا ثم يعيدون نطقها وكأنهم يتعلمون لغة جديدة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *