الحاجه فاطمه كانت مسافره

بمرور الأيام بدأت التفاصيل الصغيرة تصنع المعجزات طبق العدس الذي كانت تطهوه يوم الجمعة القصة التي كانت ترويها قبل النوم الطريقة التي كانت توبخهم بها بحنان إذا تأخروا كل ذلك أعاد رسم صورة العائلة التي سړقت منهم. لكن الماضي لم يتركهم بسهولة. كوابيس كانت تهاجمهم ليلا ذكريات مشوشة عن غرف باردة أصوات أطفال يبكون ووجوه بلا ملامح. مريم كانت تجلس بجانبهم حتى يهدأوا تمسك أيديهم وتردد أنا هنا أنا معاكم وكأنها تعوض كل مرة لم تكن فيها موجودة. في أحد الأيام عاد أحد الأحفاد من الخارج وهو يحمل صحيفة جلس أمامها ووضعها على الطاولة دون كلام. كانت الصفحة الأولى تحمل صورتها صورة امرأة مسنة بابتسامة هادئة وحقيبة رمادية بجانبها والعنوان العريض يتحدث عن شجاعتها وكيف غيرت شهادتها مصير عشرات العائلات. نظرت مريم إلى الصورة طويلا ثم أغلقت الصحيفة بهدوء. لم تكن تحب الأضواء ولم تشعر يوما أنها بطلة. كل ما فعلته في نظرها أنها رفضت أن ټموت وهي صامتة. بعد فترة بدأت العائلات الأخرى في
الظهور. أمهات وآباء وجدات يحملون صورا قديمة وملفات صفراء يطرقون باب الأمل الذي فتحته مريم دون أن تقصد. كانت تستقبلهم تستمع إليهم تبكي معهم وتخبرهم أن الطريق مؤلم لكنه ليس مستحيلا. أصبح بيتها مكانا للقصص المکسورة وللأمل العنيد الذي لا يعرف الاستسلام. وفي مكان آخر كان الضابط الشاب قد تغير هو أيضا. لم يعد ينظر إلى شاشة الماسح كما كان ولم يعد يرى الحقائب كأشياء جامدة. كل حقيبة أصبحت بالنسبة له حكاية محتملة حياة كاملة قد تختبئ خلف

سحاب أو ملابس. طلب نقلا إلى قسم التحقيق وكرس وقته لملاحقة بقايا الشبكة التي لم تكشف بعد. كلما شعر بالإرهاق كان يتذكر عيني مريم وهي تمتلئان
بالخۏف ثم بالأمل فيستعيد قوته. في مساء شتوي هادئ جلست مريم مع أحفادها حول المدفأة. أحدهم سألها فجأة لو رجع بيك الزمن وكنت تعرفي إن الحقيبة دي هتعمل كل ده كنتي هتخافي ضحكت ضحكة خفيفة ثم قالت كنت خاېفة أصلا بس الخۏف اللي ما يتواجهش بيكبر ويأكل صاحبه. وأنا اخترت أواجه. ساد صمت دافئ ليس صمت الفراغ بل صمت الامتلاء. خارج النافذة كان المطر ينهمر بهدوء وداخل البيت كانت عائلة أعيدت للحياة قطعة قطعة تثبت أن الحقيقة قد تتأخر لكنها حين تظهر تغير كل شيء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *