في حفله ترقيه زوجي

قرب المقشة مني وقال في الميكروفون:

ـ أقولكم إيه؟ أهم إنجاز في حياة هنا هو التنظيف والكنس!

ضحك أكتر.

ناس صقفت.

وناس طلعت موبايلاتها تصور.

وأنا…

كنت واقفة قدام حوالي 300 شخص.

وشي بيضحك.

لكن جوايا…

كان في حاجة بتتكسر.

ضحك الناس كان بيوجعني كأنه موجة بتخبط في وشي مرة ورا مرة.

ومع ذلك…

ضحكت أنا كمان.

ضحكة هادية.

ناعمة.

النوع من الضحك اللي الست بتتعلم تلبسه زي الإكسسوار، حتى لو قلبها من جواها بينزف.

بصيت للمقشة في إيدي.

وبعدين بصيت لسامح.

ولأول مرة من سنين…

ما حسيتش بالخوف منه.

حسيت بحاجة تانية.

حسيت إني خلصت.

مسكت المقشة كويس.

قربت من الميكروفون.

والقاعة سكتت تدريجيًا، مستنية هقول إيه.

بصيت لسامح في عينه…

وابتسمت.

وقلت:

ـ بما إنك عرّفت الناس كلها بأهم إنجاز في حياتي… اسمحلي أنا كمان أعرّفهم بأهم حاجة في حياتك.

وساعتها…

ما حدش ضحك.

لأن مدام إلهام كانت بدأت تقوم من مكانها.

حكايات ليلي

الجزء الثاني

مدام إلهام كانت بدأت تقوم من مكانها.
سامح أول ما شافها، وشه اتغير.
الابتسامة اللي كانت مالية وشه اختفت في ثانية.
قال بسرعة:
ـ مدام إلهام؟ حضرتك رايحة فين؟
لكنها ما ردتش عليه.
كانت ماشية ناحيتي أنا.
والقاعة كلها بقت ساكتة.
حتى الموسيقى اتوقفت.
وصلت عند المسرح، وبصت للمقشة اللي في إيدي، وبعدها بصت لسامح وقالت بهدوء:
ـ هي دي مراتك؟
سامح بلع ريقه.
ـ أيوه.
ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت:
ـ للأسف… إنت ما تعرفش مراتك.
سامح بصلي، وبعدين بص لها.
ـ يعني إيه؟
مدام إلهام طلعت موبايلها من شنطتها، وفتحته، ومدته لسامح.
ـ شوف.
سامح مسك الموبايل.
ثواني…
وبعدين وشه بدأ يشحب.
أنا كنت واقفة ساكتة.
ما كنتش محتاجة أتكلم.
لأن مدام إلهام هي اللي قالت:
ـ من ست شهور، شركتنا كانت بتدور على حد يدير قسم مهم جدًا. حد أمين، فاهم، وعنده قدرة حقيقية على الإدارة.
سامح بص لها باستغراب.
ـ وإيه علاقة هنا بالموضوع؟
ردت:
وسحبت الموبايل من إيده.
وقالت قدام الناس:
ـ هنا مش “ست بيت بتكنس وتمسح” زي ما حضرتك بتحب تقول.
ـ هنا هي المسؤولة عن أكبر حسابات العملاء عندنا، وهي اللي أنقذت عقد الشركة مع أكبر عميل السنة اللي فاتت.
القاعة بدأت تهمهم.
سامح حاول يضحك:
ـ أكيد حضرتك تقصدي حد تاني…
مدام إلهام قاطعته:
ـ لأ. أقصد مراتك.
وبعدين بصت لي وقالت:
ـ كنت مستنية الوقت المناسب أقولك إن مجلس الإدارة وافق النهاردة على تعيينك مديرة إقليمية للعمليات.
القاعة انفجرت في التصفيق.
بس المرة دي…
التصفيق كان ليا أنا.
سامح كان واقف جنبي كأنه مش فاهم حاجة.
قرب مني وهمس:
ـ إنتِ… إنتِ بتشتغلي مع مدام إلهام؟
بصيت له وقلت:
ـ من أربع سنين.
اتصدم.
ـ أربع سنين؟!
ـ أيوه.
ـ وإزاي؟
ابتسمت:
ـ زي ما إنت كنت بتقول للناس إني بقضي اليوم في البيت… كنت أنا فعلًا بقضي اليوم في الشغل.
اتجمع شوية ناس حوالينا.
سامح بدأ يتوتر.
ـ بس أنا ما كنتش أعرف!
رديت بهدوء:
ـ عشان عمرك ما سألت.
سكت.
مدام إلهام رفعت صوتها وقالت:
ـ واللي يمكن سامح ما يعرفوش كمان إن هنا كانت صاحبة فكرة المشروع اللي اتبنى عليه الجزء الأكبر من أرباح الشركة.
سامح بصلي كأنه شايفني لأول مرة.
ـ إنتِ عملتي ده كله؟
قلت:
ـ أنا كنت بحاول أعمل حاجة لنفسي.
وبعدين رفعت المقشة قدام الناس.
وقلت:
ـ لكن واضح إن جوزي شايف إن كل ده مالوش قيمة… وإن أهم حاجة بعملها هي الكنس.
حد من آخر القاعة ضحك.
بس المرة دي الضحكة كانت على سامح.
وشه احمر.
مدام إلهام قالت:
ـ عشان كده أنا اللي طلبت من هنا تيجي الحفلة النهاردة.
سامح اتوتر أكتر.
ـ طلبتي منها؟
ـ أيوه.
ـ ليه؟
بصت له وقالت:
ـ عشان كنت عايزة أشوف هتتصرف إزاي لما يكون كل الناس حواليها… وهل هتختار كرامتها ولا تسكت عشان صورتك قدامهم.
سامح ما عرفش يرد.
أما أنا…
فحطيت المقشة على الأرض.
وقلت:
ـ المقشة دي مش هي اللي ضاعت يا سامح.
بصلي.
ـ أمال إيه اللي ضاع؟
قلت:
ـ أنا.
سكتت القاعة.
ـ ضيعتني من زمان… كل مرة قللت مني، كل مرة اتعاملت معايا كأني ولا حاجة، كل مرة خليتني أخاف أتكلم عشان صورتك قدام الناس.
وبعدين قربت منه خطوة.
ـ لكن النهاردة أنا لقيت نفسي.
سامح حاول يمسك إيدي.
سحبتها.
قال بصوت واطي:
ـ هنا، تعالى نروح البيت ونتكلم.
هزيت راسي.
ـ لأ.
ـ هنا…
ـ الكلام اللي كان لازم يحصل بينا خلص.
وبعدين بصيت للناس وقلت:
ـ أنا آسفة إن الليلة دي اتحولت لموقف شخصي. بس أتمنى كل ست هنا تفتكر حاجة واحدة…
سكت لحظة.
ـ عمرها ما تسمح لحد يقنعها إن قيمتها بتتقاس بحاجة هي بتعملها في البيت.
التصفيق بدأ تاني.
مدام إلهام قربت مني، وحطت إيدها على كتفي.
وقالت:
ـ بكرة الساعة تسعة في مكتبي يا مديرة.
ابتسمت.
ـ إن شاء الله.
وسبت المسرح.
وسبت سامح واقف لوحده.
في العربية، موبايلي ما وقفش رن.
رسائل من ناس أعرفهم.
رسائل من ناس ما أعرفهمش.
لكن رسالة واحدة هي اللي شدت انتباهي.
كانت من سامح.
“أنا آسف.”
قفلت الموبايل.
بعد دقيقة بعت:
“أرجوكي ردي.”
ما رديتش.
وبعدها:
“أنا كنت بهزر.”
ضحكت بسخرية.
لأن أسوأ حاجة ممكن يعملها شخص فيك… إنه يوجعك، ولما يشوفك اتألمت يقولك:
“بهزر.”
تاني يوم الصبح، روحت الشركة.
دخلت مكتب مدام إلهام.
لقيت على المكتب ملف كبير.
قالت:
ـ ده قرار التعيين الرسمي.
فتحته.
اسمي كان مكتوب عليه.
“هنا سامح عبد الرحمن — مديرة إقليمية للعمليات.”
قعدت وأنا مش مصدقة.
مدام إلهام قالت:
ـ على فكرة، أنا كنت عارفة إن سامح جوزك.
بصيت لها باستغراب.
ـ عرفتي إزاي؟
قالت:
ـ من أول مقابلة بينا.
ـ طب ليه ما قولتيليش؟
ـ لأن الشغل شغل، والجواز جواز.
وسكتت لحظة.
ـ لكن بعد اللي حصل امبارح… بقي لازم تعرفي حاجة.
مدت لي ورقة تانية.
كانت استقالة سامح.
رفعت عيني لها.
ـ هو استقال؟
قالت:
ـ لأ.
ـ أمال الورقة دي إيه؟
ـ أنا طلبت منه يقدمها.
اتصدمت.
ـ ليه؟
قالت بمنتهى الهدوء:
ـ لأن اللي يهين زوجته قدام 300 شخص، ممكن يهين موظف قدام 300 موظف.
ـ وأنا شركتي مش مكان للإهانة.
رجعت البيت بالليل.
لقيت سامح مستنيني.
كان قاعد في الصالة، وملامحه مختلفة.
ما كانش متكبر.
ولا واثق.
كان مكسور.
أول ما دخلت، قام.
قال:
ـ أنا غلطت.
سكت.
ـ غلطت في حقك سنين.
حطيت شنطتي.
ـ كمّل.
ـ كنت فاكر إن نجاحي هو اللي بيخليني راجل.
وبص للأرض.
ـ وكنت خايف أوي إن الناس تعرف إن مراتي أنجح مني.
بصيت له.
قال:
ـ فكنت بحاول أصغرك عشان أحس إني كبير.
الكلام ده لأول مرة خلاني أحس إن سامح بيتكلم بصدق.
لكن الصدق المتأخر…
مش دايمًا بيصلح اللي اتكسر.
قلت له:
ـ فاكر المقشة؟
هز راسه.
ـ أيوه.
ـ أنا احتفظت بيها.
اتصدم.
ـ ليه؟
ابتسمت.
ـ عشان تفضل فاكر اليوم اللي حاولت تضحك فيه الناس عليّا… واليوم اللي الناس كلها عرفت فيه حقيقتك.
دموعه نزلت.
ـ يعني انتهينا؟
بصيت له طويلًا.
وقلت:
ـ إحنا ما انتهيناش يوم الحفلة.
سكت.
ـ إحنا انتهينا من زمان.
ـ الحفلة بس خلتني أعترف لنفسي.
بعد ست شهور…
كنت واقفة على مسرح تاني.
بس المرة دي القاعة كانت أكبر.
والجمهور كان بالآلاف.
والشعار اللي ورايا كان باسم الشركة.
مدام إلهام كانت قاعدة في الصف الأول.
وأنا استلمت جائزة أفضل قيادة إدارية.
وقبل ما أبدأ كلامي، عيني وقعت على المقشة اللي كنت حطاها في مكتبتي.
كنت محتفظة بيها فعلًا.
مش عشان أفتكر الإهانة.
لكن عشان أفتكر نفسي القديمة.
الست اللي كانت بتسكت.
واللي كانت بتخاف.
واللي كانت بتقول “حاضر” عشان ما تخسرش حد.
ابتسمت.
وقلت للجمهور:
ـ ساعات الناس بتديك حاجة وهي فاكرة إنها بتقلل منك…
سكت لحظة.
ـ لكن ممكن نفس الحاجة تبقى بداية إنك تعرف قيمتك.
ومن وسط التصفيق، شفت سامح واقف في آخر القاعة.
ما حاولش يقرب.
ما حاولش يتكلم.
بس ابتسم.
وأنا ابتسمت له.
مش حب.
ولا ندم.
مجرد سلام.
لأن بعض الناس مش لازم ترجعهم لحياتك…
يكفي إنك تسامح نفسك إنك سمحت لهم يومًا يقللوا منك.
أما المقشة؟
فلسه عندي لحد النهاردة.
معلقة في مكتبي.
وكل ما أشوفها…
أفتكر إن اللي ضاع يومها ما كانتش المقشة.
اللي ضاع…
كان الخوف اللي جوايا.
ومن يومها…
ما رجعش تاني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *