قعدت شهر كامل في المستشفى

أثبت إن تعديل بيانات الحساسية حصل بالفعل من حساب كريم.
لكن المفاجأة لم تكن هنا.
المفاجأة كانت في سبب دخوله على الملف.
كان فيه طلب إلكتروني قديم، مقدم من كريم قبل دخول مريم المستشفى بأيام.
طلب فيه نقل ملفها إلى قسم معين داخل المستشفى.
والسبب المكتوب في الطلب كان
لأسباب شخصية تتعلق بحالة المړيضة.
مريم بصت لنهى.
هو كان بيخطط لإيه؟
نهى ما ردتش.
لأن في اللحظة نفسها
موبايل مريم رن.
رقم مجهول.
ردت.
جالها صوت رجل هادي
مدام مريم؟
أيوه.
أنا كنت شغال في إدارة الملفات الطبية في المستشفى.
مريم سكتت.
الرجل قال
أنا عندي معلومة لازم تعرفيها قبل الجلسة.
إيه؟
ملفك الطبي الأصلي مش هو الملف اللي شوفتيه أول مرة.
قلب مريم وقع.
يعني إيه؟
النسخة الأصلية اتعمل لها استرجاع من النظام.
واسترجاعها أظهر إيه؟
الرجل سكت ثواني.
وبعدين قال
أظهر إن فيه ملاحظة اتحذفت.
إيه الملاحظة؟
مكتوب فيها إنك قبل دخول العمليات بساعات طلبتي بنفسك إن زوجك مايتدخلش في علاجك.
مريم اټصدمت.
أنا؟
أيوه.
أنا عمري ما قلت كده!
الرجل قال
عارف.
إنت عارف منين؟
قال
لأن الملاحظة مكتوبة بصياغة مختلفة عن باقي ملاحظات التمريض.
مريم قامت من مكانها.
يعني حد كتبها باسمي؟
الرجل رد
ده اللي التحقيق لازم يثبته.
وبعدين قال جملة واحدة قبل ما يقفل
بس فيه حاجة أهم
إيه؟
الملاحظة اتحطت على ملفك قبل دخولك العمليات بساعة واحدة.
المكالمة انتهت.
مريم فضلت واقفة مكانها.
نهى بصتلها.
مريم
مريم رفعت عينيها وقالت
أنا دلوقتي مش بس عايزة أخلع من كريم.
وسكتت.
أنا عايزة أعرف هو كان بيحاول يحميني من إيه
ولا كان بيحاول يحمّي نفسه من حاجة حصلتلي.
وفي نفس اللحظة، وصل إشعار جديد على موبايلها.
رسالة من رقم مجهول.
كان فيها صورة واحدة فقط.
صورة لكريم
واقف قدام غرفة العمليات في نفس الليلة اللي مريم دخلت فيها الجراحة.
لكن اللي شد انتباهها مش وجوده.
كان الشخص الواقف جنبه.
مريم قرّبت الصورة من عينيها.
واتجمدت.
لأن الرجل اللي واقف جنب كريم
كان هو نفس الطبيب اللي كتب أمر الدواء اللي سبب لها الأزمة.
ومريم كانت متأكدة إنها شافته قبل كده.
لكن مش في المستشفى.
كانت شافته
في مكتب كريم نفسه.
قبل مرضها بأسبوع.
ساعتها فقط فهمت إن خيط القصة كله كان موجود قدامها من البداية
لكنها كانت بتدور على سبب غياب جوزها عنها.
وما كانتش تعرف إنها على وشك تكتشف
إن غيابه عنها كان أقل جزء مخيف في الحكاية.
مريم فضلت باصة للصورة، وإيديها بتترعش.
قالت لنهى
أنا عايزة أعرف مين الراجل ده.
نهى قربت الصورة منها.
وبعد ثواني قالت
ده دكتور سامح مش كده؟
مريم هزت راسها.
أيوه.
بس إنتِ قولتي إنك شوفتيه في مكتب كريم؟
أيوه قبل ما أتعب بأسبوع تقريبًا.
نهى فتحت اللابتوب بسرعة، وبدأت تدور في المستندات اللي جمعوها.
بعد حوالي ساعة، ظهر اسم دكتور سامح في أكتر من مستند.
كان مستشارًا طبيًا في المشروع اللي
كريم كان شغال فيه.
لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت لما راجعوا سجل التواصل بينه وبين كريم.
كان فيه عشرات المكالمات.
أغلبها في الأسبوع السابق لدخول مريم المستشفى.
نهى قالت
لازم نعرف كانوا بيتكلموا في إيه.
وبالفعل، التحقيق الرسمي طلب سجلات العمل والمراسلات المتعلقة بالمشروع.
بعد أيام، ظهرت الحقيقة.
دكتور سامح كان مسؤولًا عن توريد بعض الأدوية المستخدمة في المشروع.
وكان فيه خلاف مالي كبير داخل الشركة المتعاقدة مع المستشفى.
كريم كان اكتشف إن فيه مخالفات في تسجيل بعض الأدوية والكميات.
وكان قد بدأ يجمع مستندات لإبلاغ الإدارة.
لكن قبل ما يعمل كده
اكتشف إن اسم مريم ظهر بالصدفة في مستندات المشروع.
ليه؟
لأن أحد العاملين استخدم رقم ملفها الطبي كرقم مرجعي في طلب دواء.
وده معناه إن بيانات مريم دخلت في الموضوع من غير ما يكون لها أي علاقة.
كريم خاف إن الموضوع يوصل لها أو يستخدم اسمها ضده.
لكن بدل ما يقول لها الحقيقة
عمل أسوأ حاجة ممكن يعملها.
دخل على ملفها بنفسه.
حاول يعدل بيانات مرتبطة بالدواء.
وحاول يخلي وجوده بعيد عن علاجها ما يبانش.
ولما اكتشف إن حالتها دخلت في أزمة فعلًا، خاف أكتر.
فكتب ملاحظة توحي إن مريم لا تريد تدخله في علاجها.
كان بيحاول يحمي نفسه من المسؤولية
لكن تصرفه نفسه فتح باب تحقيق أكبر.
مريم لما سمعت كل ده، فضلت ساكتة.
نهى قالت
يعني هو ماكانش بيكرهك؟
مريم ردت بهدوء
يمكن.
ويمكن كان بيحاول يحمي نفسه.
مريم بصت لها.
بس في الحالتين هو اختار الكذب.
وده كان أكتر شيء ۏجعها.
بعد أسبوع، انعقدت جلسة التحقيق النهائية.
كريم كان موجود.
أول ما شاف مريم، حاول يقرب منها.
مريم، استني.
وقفت.
قال بصوت منخفض
أنا كنت بحاول أحميكي.
مريم بصتله طويلًا.
تحميني؟
أيوه.
وإنت حميتني إزاي وإنت سبتني شهر كامل من غير ما تيجي تشوفني؟
كريم سكت.
كنت خاېف الموضوع يوصلك.
فقررت تسيبني لوحدي؟
كنت مرتبك.
لا يا كريم.
هزت راسها.
إنت كنت بتختار نفسك.
الكلمة وقعت عليه كأنها صڤعة.
حاول يتكلم.
أنا غلطت.
مريم ردت
غلطتك مش إنك ماعرفتش تحميني.
وسكتت لحظة.
غلطتك إنك قررت إني مش من حقي أعرف الحقيقة.
في النهاية، انتهى التحقيق بإثبات وجود مخالفات في التعامل مع ملفها وتجاوزات في استخدام النظام، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة بحق المسؤولين عن تلك المخالفات.
أما كريم، فخسر منصبه الإداري داخل المشروع، واضطر لمواجهة التحقيقات المتعلقة بتصرفاته.
لكن مريم؟
كانت قد حسمت قرارها من البداية.
جلسة الخلع تمت.
وبعد فترة، حصلت على حقوقها القانونية، واتقسمت الممتلكات المشتركة بالطريقة القانونية.
خرجت من المحكمة في يوم مشمس.
نهى كانت ماشية جنبها.
وقالت
أخيرًا خلصت.
مريم ابتسمت.
لأ.
نهى بصت لها.
لأ إيه؟
مريم قالت
أنا ماخلصتش.
أمال؟
بصت للسماء وقالت
أنا بدأت.
بعد شهور
رجعت مريم لشغلها.
وبسبب خبرتها في مراجعة الجودة، بدأت تشتغل على مشروع جديد لتحسين أنظمة توثيق الملفات الطبية ومنع التلاعب فيها.
وفي أول يوم لها في مكتبها الجديد، وصلها ظرف.
فتحته.
كان فيه صورة من تقرير قديم.
وفي أسفل الصفحة توقيعها.
مريم فضلت باصة للتوقيع.
وبعدين ضحكت.
لأنها اكتشفت إن التقرير ده كان أول مستند اتزوّر باسمها.
لكن دلوقتي
هي اللي كانت ماسكة الحقيقة كلها.
حطت التقرير في ملف، وقفلت الدرج.
وبصت لنهى وقالت
عارفة أكتر حاجة اتعلمتها من اللي حصل؟
إيه؟
مريم ابتسمت
إن الإنسان ممكن يخسر ناس كان فاكر إنه عمره ما يقدر يعيش من غيرهم
بس لما يخرج من عندهم، يكتشف إنه كان طول الوقت قادر يعيش.
بعدها بسنة، كانت مريم في المستشفى نفسها.
لكن المرة دي مش مريضة.
كانت بتقدم تدريبًا لمجموعة من العاملين عن أخطاء توثيق الملفات الطبية.
وفي آخر المحاضرة، واحدة من المتدربات سألتها
هو حضرتك اخترتي المجال ده ليه؟
مريم سكتت ثواني.
وبعدين قالت
عشان في يوم من الأيام، ملف طبي اتكتب
فيه كلام مش حقيقي عني.
وإيه اللي حصل؟
ابتسمت مريم وقالت
اتعلمت إن الحقيقة ممكن تتأخر لكن لازم تسيب وراها أثر.
خرجت من القاعة.
عدت قدام باب غرفة كانت قعدت فيها شهر بين الحياة والمۏت.
وقفت لحظة.
لمست مقبض الباب.
وبعدين سحبته.
لكنها ما دخلتش.
كملت طريقها.
لأن المكان اللي شهد أسوأ شهر في حياتها
ما بقاش له أي سلطة عليها.
وفي آخر اليوم، وهي راجعة بيتها، فتحت شنطتها.
لقيت دبلة جوازها القديمة.
فضلت تبص لها شوية.
وبعدين حطتها في صندوق صغير، وقفلت عليه.
مش لأنها لسه بتحبه.
ومش لأنها عايزة تفتكر الۏجع.
لكن لأنها أخيرًا فهمت إن بعض الحاجات لازم تتحط في مكانها الصحيح
الماضي.
ركبت عربيتها.
ابتسمت لنفسها.
ودارت المحرك.
المرة دي
ماكانش فيه مستشفى مستنياها.
ولا زوج مستني اعتذار.
ولا ملف مخبي سر.
كان فيه طريق جديد بس.
وطريقها
كان لسه بيبدأ.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *