افتح باب المطبخ

لمحة نيوز

إدارتي وأنا مش داري. الشركات والمطاعم دي ما قامتش على إيدي أنا بس، قامت على عرقكم وشقاكم وتعبكم كل يوم. ومن النهاردة، الأوضاع كلها هتتغير.
واحد من الجرسونات القدامى اتكلم بصوت مرتعش وقال
ربنا يحفظك يا بن المحترمين يا باشا.. احنا كنا بنتعامل معاملة العبيد، وكان عصام بيه بياخد نص مرتباتنا ويهددنا بالطرد لو فتحنا بقنا.
المنشاوي طق بصباعه وقال بكل قوة
كل مليم اتخصم منكم زور أو اتقطع من إكرامياتكم هيرجع لكم أضعاف مضاعفة في مرتب الشهر ده! ومن النهاردة، يوسف ابني.. يوسف المنشاوي.. هو اللي هيمسك إدارة الفرع ده رسمياً!
العمال كلهم شهقوا من المفاجأة، وبصوا ليوسف اللي كان واقف مش مجمع ومندهش ومش مصدق الكلام.
يوسف قرب من أبوه بسرعة وقال بذهول
أنا يا أبايا؟ أنا أ مسك إدارة أضخم فرع في القاهرة؟ بس أنا عمري ما دراست إدارة ولا أعرف غير النظافة والمسح والتعب!
المنشاوي مسك كتف يوسف وبص في عينيه بفخر واعتزاز وقال له
اللي يعرف يجبر خاطر راجل عجوز غريب، ويقسم معاه لقمته العيش والحاف، ويقف بدفعه عن الضعيف ويضحى بقوته عشان يحميه.. يبقى هو الوحيد اللي ينفع يدير البشر! الإدارة يا بني مش شهادات ورقية بيكتبوها على الورق، الإدارة أصل ورحمة وأخلاق.. والشهادات والتكتيكات العلمية أنا هجيب لك أكبر الخبراء يعلموهالك في ست شهور، لكن أصلك النظيف ومعدنك الدهب ده حاجة ربنا زرعها فيك ومحدش يقدر يعلمها لك.
العمال بدأوا يصفقوا ويهتفوا بفرحة عارمة، والدموع في عيونهم، يوسف بص للعمال اللي كانوا زمايله في الشقا والتعب وقال بصوت ثابت وواثق
أنا أوعادكم يا رجالة.. إني هكون أخ لكم قبل ما أكون مدير عليكم، ومفيش بني آدم في المكان ده هيتهان تاني ولا يضيع حقه طول ما أنا حي على وش الأرض!
بعد ساعات قليلة، كانت الأخبار اتشرت في القاهرة كلها زي النار في هشيم القش؛ صاحب سلسلة مطاعم المنشاوي يكتشف فساد إدارته وهو متنكر، ويعثر على ابنه المفقود في هيئة عامل نظافة بسيط.
في نفس الليلة، أخد المنشاوي ابنه يوسف وطلعوا على الفيلا الكبيرة في التجمع الخامس. يوسف كان داخل وهو خايف ومكسوف، بيبص للسجاد الفاخر والنجف الكريستال والتماثيل اللي مالية المكان، وحاسس إنه غريب عن العالي ده كله.
المنشاوي لاحظ خجل يوسف، فمسك إيده ودخله جوه المكتب الخاص بتاعه. القاعة كانت مليانة صور قديمة، وفي النص كانت فيه صورة كبيرة جداً للست أمه وهي شابة صغيرة.
يوسف أول ما شاف الصورة جرى عليها ووقع على ركبه يبكي بحرقة
أمي.. يا حبيبتي يا أمي! ليتك كنتي عايشة وشوفتي اليوم ده.. شوفتي أبايا وهو بيرد لي اعتباري وبيرجعني لحضنه زي ما كنتي بتقولي لي دايماً!
المنشاوي قعد جنبه على الأرض وحضنه وهو بيبكي معاه وقال
أمك كانت أطهر ست قابلتها في حياتي يا يوسف.. الخلافات والمكائد اللي حصلت زمان هي اللي بعدتنا عن بعض، وأنا دورت عليها وعليك في كل شبر في مصر بس الظروف كانت أقوى مني.. احكي لي يا بني، عاشت إزاي؟ وقضيتوا السنين دي كلها إزاي؟
قعد يوسف يحكي لأبوه عن رحلة العذاب والشقا؛ إزاي أمه كانت بتشتغل في البيوت والغزل عشان توفر له لقمة العيش، وإزاي رفضت تتجوز بعد المنشاوي وفضلت عايشة على ذكراه، وإزاي مرضت بالكانسر وفي أخر أيامها وصته بالقلادة وقالت له إن أبوه راجل شريف ومحترم وأكيد دافع قوي كان السبب في غيابه.
يوسف قال ودموعه بتنزل
لما أمي ماتت من سنتين، الدنيا اسودت في وشي.. ملقيتش شغل غير في النظافة، وكنت بين يوم وليلة بتطرد من مكان لمكان عشان ماليش ظهر ولا سند.. لحد ما ربنا جابني لمطعمك، وكنت بتبهدل كل يوم من عصام، بس كنت بستحمل عشان ألاقي لقمة ناكلها أنا وأمي في قبرها بالدعاء والصدقة.
المنشاوي كان بيسمع وقلبه بيمييز من الألم والندم، لكنه مسح دموعه وقال له بكل عزم
خلاص يا يوسف.. العذاب انتهى، والشقا غار بلا رجعة. ربنا اختبرنا وصبرنا، والنهاردة بداية حياه جديدة.. حقك وحق أمك الله يرحمها هيرجع لك أضعاف. أنت مش بس هتمسك الفرع ده، أنت من النهاردة شريكي الرسمي في كل أملاكي ورأس مالي، واسمك هيرجع يلمع في السوق زي ما كان لازم يكون من زمان.
مرت الأيام والشهور بسرعة، ويوسف أثبت إنه مش بس صاحب قلب رحيم، ده كمان بيمتلك ذكاء فطري وعقلية جبارة في الإدارة. بفضل المدرسين والخبراء اللي أبوه جابهم له، قدر يتقن علوم الإدارة والبيزنس في وقت قياسي.
مطعم الفرع الكبير في القاهرة اتغير حاله تماماً؛ بقى من أكبر وأنجح الفروع وأكترهم ربحاً، مش بس عشان الأكل الممتاز، لكن عشان المعاملة الراقية اللي بقوا الجرسونات والعمال يعاملوا بيها الزبائن، بفضل البيئة العادلة اللي يوسف خلقها لهم. المرتبات اتضاعفت، والإكراميات بقت تتوزع بالعدل، ومفيش عامل بقى خايف من الظلم أو الطرد التعسفي.
وفي يوم من الأيام، كان يوسف قاعد في مكتبه المكيف الفاخر بالفرع الرئيسي، لابس بدلة سوداء أنيقة جداً وبيمضي على أوراق ومستندات بآلاف الجنيهات، انفتح الباب ودخل المنشاوي بيه وهو مبتسم وباصص لابنه بفخر لا يوصف.
المنشاوي قرب وقعد قدام يوسف وقال له
أيه الأخبار يا يوسف بيه؟ تقارير الأرباح بتاعة الشهر ده بتقول إنك كسرت كل الأرقام القياسية في تاريخ

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *