كنت عايشه على المرتب
وأنا مش مالك حتى حق سجايري.
عدت 3 أيام..
البيت كان بيتردم بالتراب، الأكل خلص من التلاجة، وصاحب
العمارة اتصل بي يطلب إيجار الشهر الجديد 6 آلاف جنيه.
يا باشمهندس حازم، مدام سارة اتصلت بيا وقالت إنها فسخت العقد وإن الشهر ده أخركم، ولو مش هتدفعوا الإيجار لازم تفضوا الشقة يوم 30.
حاضر يا حاج.. حاضر.. قلتها بصوت مخنوق وقفلّت.
خرجت الصالة، لقيت أمي قاعد على الدكة بتعد الفلوس اللي في شنطتها.. كانت مع معاها 1200 جنيه باقي معاشها.
حازم يا ابني.. أمي قالت بصوت وطي ومكسور، الخيل والكبرياء اللي كانوا فيها اختفوا تماماً البيت فاضي.. ومفيش عيش ولا جبنة حتى. الفلوس دي مش هتكفي حاجة.. هنعمل إيه؟
بصيت لأمي، ومسكت إيدها لأول مرة بحنية حقيقية مش باستعلاء
مش هنعمل حاجة يا أمي.. إنتي هترجعي بيتك المقتنع في القرية، وأنا هقفل الشقة دي.
وإنت يا حازم؟ هتروح فين؟ هتيجي معايا؟
لأ.. أنا لازم أبدأ من القاع يا أمي. القاع اللي أنا رميت نفسي فيه بسكوتي وكسلي.
تاني يوم الصبح.. الساعة كانت 6 الصبح.
الجو كان ساقع والضباب مالي شوارع القاهرة. نزلت من العمارة وأنا لابس كوتشي قديم وبنطلون جينز ومحتفظ بشنطة ضهر صغيرة فيها هدومي.
شفت يافطة على باب مطعم وجبات سريعة في شارع رئيسي مطلوب عمال نظافة وويترز وردية مسائية وصباحية القبض أسبوعي.
وقفت قدام اليافطة دقيقة كاملة. عقلي القديم، الباشمهندس حازم، كان بيصرخ فيا إنت هتنزل تنظف طرابيزات وتغسل أطباق؟ إنت مهندس أطول من السور!
بس افتكرت كلام سارة أشيله لما يكون بيسعى.. لما ألاقيه بيدور على شغل ب 3 آلاف جنيه ويحاول.
افتكرت النظرة اللي في عينها، واكتشفت إن الشغل أي شغلة شريفة ألف مرة أكتر كرماً من القعدة في البيت على أفا ست.
دخلت المطعم.
مدير المطعم بص في بتفحص إنت خريج إيه يا ابني؟ شكل مظهرك مش بتوع شغلانات المطاعم.
بلعت ريقي وقلت بثبات أنا خريج هندسة يا فندم.. بس محتاج أشتغل أي حاجة. مغسلة، نظافة، مسح طرابيزات.. جاهز لأي حاجة والقبض اللي تشوفه.
الراجل بصلي باستغراب، وبعدين هز راسه يوميتك 150 جنيه، والوردية 10 ساعات، وهتبدأ من دلوقتي غسيل أطباق في المطبخ جوة.
موافق يا فندم.
دخلت المطبخ المليان بخار وريحة زيت، ووقفت قدام الأحواض الكبيرة، ومسكت السلكة والمية السخنة وبدأت أغسل.
أول يوم شغل كان جحيم. ضهري كان بيموتني، وإيديا اتجرحت من المية والمنظفات، ورجليا اتورمت من الوقفة 10 ساعات متواصلة. لما أخدت ال 150 جنيه في أخر اليوم، مسكتهم بإيد بتترعش.. الفلوس دي كانت قليلة جداً، بس كانت لأول مرة في حياتي فلوس حقيقية! فلوس شقايا وعرقي، مش وديعة ولا مرتب صوري!
مرت 6 شهور..
كنت أأجرت أوضة صغيرة فوق سطوح عمارة قديمة في منطقة شعبية، ب 600 جنيه في الشهر.
كنت بشتغل في المطعم من 8 الصبح ل 5 المغرب، ومن 6 بالليل ل 12 بالليل بشتغل ديلفري على عجلة قديمة اشتريتها بالقسط من يوميتي.
كنت باكل عيش وجبنة، وبحوش كل قرش. خسيت أكتر من 15 كيلو، وجلدي اسودّ من الشمس، وإيديا بقت خشنة زي الحجر.. بس ونومي بقى عميق وهادي. لأول مرة من سنين، أحس إني بصحى وليا هدف، إني راجل بياكل من عرق جبينه.
في يوم من الأيام، وأنا شغال ديلفري، جالي أوردر توصيل لأحد الكومباوندات الجديدة في التجمع.
أخدت الأوردر وطلعت بالعجلة تحت المطر الشديد. وصلت للعنوان، ورنيت الجرس.
الباب اتفتح..
والدنيا اتجمدت بيا.
كانت سارة.
كانت لابسة ترينج بيت بسيط، وشعرها لمُاه لورا، شكلها كان مرتاح ووشها مشرق ورجع لها لونها الطبيعي.
أول ما شافتني، عينها اتسعت بصدمة مش طبيعية. بصت لوشي الأسمر المخسوس، وبصت للبدلة بتاعة شركة الديلفري المبلولة مية، وبصت للخوذة اللي في إيدي.
أنا اتسمرت مكاني.. قلبي كان بيخبط زي المجنون. كان نفسي الأرض تتشق وتبلعني من الإحراج، بس افتكرت إني الشغل مش عيب، وإني الشغلانة دي هي اللي عملت مني راجل.
رفعت رأسي في عينها بثبات، ومديت لها كيس الأوردر
مساء الخير يا فندم.. أوردر المطعم.
سارة ما مدتش إيدها تاخد الكيس. عينها كانت بتتنقل في وشي بذهول، ودموع غير متوقعة بدأت تتجمع في عينيها.
حازم؟! صوتها خرج بيترعش إنت.. إنت بتشتغل ديلفري؟!
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ابتسامة حقيقية مافيهاش أي زيف
أيوة يا سارة.. ديلفري الصبح، وغسال أطباق بالليل. شغال 16 ساعة في اليوم عشان آكل من عرقي ومسلفش من حد ولا أستنى مرتب صوري.
سارة بلعت ريقها بالعافية، وقربت خطوة
إنت.. إنت سبت الهندسة؟ وأمك؟ وإيجار الشقة؟
أنا ما سبتش الهندسة.. أنا بروح مرتين في الأسبوع أقدم سي في في الشركات، بس عقبال ما ألاقي شغل بكرامتي، الشغلانة دي هي اللي بتاكلني عيش شريف. أمي رجعت البلد، والشقة القديمة سبتها من زمان. أنا عايش في أوضة فوق سطوح، وبحوش مصاريف قضية الطلاق اللي رفعتيها عشان أسدد لك أي مصاريف كنتِ دفعتيها زمان.
سارة بصتلي وطولت البصة.. النظرة اللي في عينها ماكانتش قرف، ولا كانت استعلاء.. كانت ممتلئة بدهشة واحترام عميق عمري ما شفته منها طول سنين جوازنا.
حازم.. إنت اتغيرت أوي.
أنا ما اتغيرتش يا سارة.. أنا اتولدت من جديد. القلم اللي إدتهولي في التلفون باليوم ده هو اللي صحاني من الغفلة. إنتي كنتِ صح..
أنا ما كنتش راجل، كنت عالة. والنهارده أنا ببتدئ من الصفر، بس وأنا واقف على رجلي.
مديت لها الباقي والأوردر أتفضلي الأوردر.. والحساب مدفوع أونلاين.
لفيت ضهري عشان أمشي وأنزل السلم، بس سمعت
صوتها بينادي عليا
حازم!
لفت بصيت لها نعم؟
سارة مسحت دمعة نزلت على خدها، وقالت بصوت هادي ودافي
استنى.. أشرب فنجان قهوة معايا. الدنيا بتطفي بره ومطر شديد.
بصيت للقهوة.. وبصيت لعيونها اللي كانت شايفة راجل حقيقي قدامها لأول مرة.
ابتسمت وقلت لها
شكراً يا سارة.. بس عندي أوردر تاني لازم يتوصل في ميعاده، الراجل المستني أوردره شقيان وزيي، وما يصحش أتأخر عليه.
نزلت السلم بسرعة وأنا حاسس بخفة ورضا عمري ما حسيت بيهم في حياتي. سارة كانت واقفة عند الباب بتبص عليا وأنا نازل..
أنا ما عرفش هل ممكن نرجع لبعض في يوم من الأيام ولا لأ، وما بقاش ده همي الأكبر. الهم الأكبر والدرس الحقيقي اللي اتعلمته، إن الكرامة والرجولة مش كلام ولا استحقاق زايف، الرجولة هي العرق والشقا والسعي.. وإن القرش اللي بتكسبه بدراعك، حتى لو كان جنيه واحد، يسوى كنوز الدنيا كلها طالما مخليك مرفوع الرأس!