في الترابيزه مليانه لحوم
”اطلع بره يا تامر.”
”مريم…”
”اطلع بره مكتبي.”
”هو أنتِ… أنتِ هترفعي قضية؟”
فريدة هي اللي ردت: “ده يعتمد كلياً على تعاونك في إجراءات الطلاق واتفاق رد المبالغ المظبوطة.”
تامر خرج وهو مكسور تماماً.. مش عشان خسر مراته (هو لسه مش مستوعب الحجم العاطفي لده)، بس لأنه خسر الشباك اللي كان حاميه من عواقب أفعاله.
العواقب جات على عيلة صفية بسرعة.. من غير دعمي الشهري، صفية واجهت الحقيقة اللي كانت بهرب منها لسنين: هي ما تقدرش تعيش العيشة دي. القسط عالي، الضرائب تقيلة، كروتها متقفلة، ودلوقتي شايالة ديون وقروض مزورة فتحتها شيرين باسمها.
أدهم طلب كشف حساب كامل من مراته.. وتحت الضغط، كذب شيرين كله اتكشف. شنط الماركات كانت بالأقساط، العزومات على كروت بفوايد، حتى الأكل بتاع عيد الميلاد اللي أهانوني فيه كان بالدين.
أدهم طلب الانفصال فوراً.
صفية عملت محضر في الشرطة بسرقة الرقم القومي والتزوير، والتحقيقات انتهت بقضايا جنائية ضد شيرين.
أنا ما شمتش فيهم. ما كنتش محتاجة أشوفهم بيتعذبوا، كل اللي كنت محتاجاه إن محدش يجبرني أدفع ثمن أخطائهم.
بعد تلات أسابيع، صفية ظهرت في ريسيبشن شركتي.
ما كانتش لابسة ذهب ولا نظارات شمس كبيرة زي عادتها لما تمشي ملكة. كانت باينة تعبانة، مكسورة، ومكسورة بتاع عشر سنين زيادة.
فريدة بصتلي: “أخلي الأمن يخرجها؟”
سكت شوية: “لأ.. خليها تدخل.”
صفية دخلت مكتبي ببطء وقعدت. لأول مرة من يوم ما عرفتها، ما بدأتش بطلب ولا بإهانة مستخبية.
”مريم… إحنا اضطرينا نبيع العربية،” قالتها بصوت واطي.
ما رديتش.
”وبعض مجوهراتي برضه.”
فضلت ساكتة.
”أدهم نقل في شقة صغيرة بالإيجار،” كملت وصوتها بيرتعش: “وأنا هعرض الشقة للبيع.”
”تصرف عقلاني،” رديت بهدوء.
شفتها بتترعش: “البنك عرض جدولة، بس أنا مش هقدر أدفع.. الحقيقة… أنا عمري ما كنت أقدر أدفع.”
الاعتراف ده صدمني.
اتنهدت بصعوبة: “لسنين، كنت فاكرة إن طالما تامر متجوزك، عمرنا ما هتقابلنا مشكلة في الفلوس.”
”وهي دي كانت المشكلة الأساسية يا طنط صفية.”
هزت رأسها ببطء: “أنا عارفة.”
مدت إيدها في شنطتها وطلعت صورة كانت واخداها بموبايلها يوم العزومة. الكل كان متجمع حول السفرية—شيرين بتضحك، أدهم يرفع الكاس، تامر باصص بعيد، وأنا قاعد في زاوية السفرة قدامي طبق أبيض فاضي تماماً.
حطت الصورة على مكتبي: “لما بصيت للصورة دي بعدين، شفت قد إيه أنا كنت بني آدمة بشعة.”
دموعها نزلت: “أنتِ دفعتي قسط شقتي، وفواتيري، ولما كنت تعبانة في المستشفى دفعتِ الفرق من جيبك.. وأنا رميتك عشان واحدة كانت بتقولي اللي نفسي أسمعه وبس.”
سبتها تتكلم.
”أنا مش جاية أترجاكي ترجعي لتامر،” همست: “ولا جاية أطلب منك شيك.”
بلعت ريقها: “أنا جاية أطلب منك تسامحيني.”
لسنين، كنت بسأل نفسي يا ترى إحساس الكلمة دي هيكون إيه؟
وأنا قاعدة قدام ست مكسورة، ما حسيتش بانتصار.. حسيت بس إن الصفحة اتقفلت.
”أنا قبلت اعتذارك،” قلت لها بصرامة: “بس المساامحة مش معناها إني هرجع، ولا معناها إني سدد ديونكم، ولا معناها إني هتنازل عن حق الشركة عند تامر.”
غمضت عينيها وهزت رأسها: “أنا فاهمة.”
قبل ما تقوم، بصت للصورة تاني: “أنا هفضل ندمانة على الطبق الفاضي ده طول عمري.”
”وأنا كمان،” قلت لها: “بس لأسباب مختلفة خالص عن أسبابك.”
الطلاق تم بهدوء. مع فريدة معايا، ما كانش في دراما في المحاكم. الحسابات كانت واضحة: شقتي مسجلة باسمي من قبل الجواز، شركتي ملكي لوحدي، والفلوس المسروقة متوثقة بالمليم.
قدام الأدلة، تامر وافق على اتفاق إرجاع المبالغ عشان يهرب من المحاكمة الجنائية والبس.
يوم ما مضينا الأوراق الأخيرة، تامر كان عامل زي الخيال. خس نص وزنه، راكب عربية قديمة، وشغال شغلانتين عشان يغطي مصاريفه والفلوس اللي عليه.
قعد قدامي على الترابيزة وباصص لإيديه: “كنت فاكر إنك هتفضلي جنبي دايماً يا مريم.”
”أنا عارفة إنك كنت فاكر كده،” رديت: “ودي كانت غلطتك.”
حط إيده على عينيه: “أنا دمرت أحسن حاجة حصلت في حياتي.”
”دي ما كانتش غلطة يا تامر، دي كانت قرارات واعية أنت بتأخدها كل يوم عشان تستغل طيبتي وتتجاهل قيمتي.”
ما ناقشنيش.. مضى ومشي.
خلال السنة اللي بعد كده، شركتي كبرت بسرعة. فتحنا فرع جديد وزودنا الموظفين للضعف، وفريدة بقت رسمياً المستشار القانوني للشركة.
بس أنا تعلمت حاجة أهم بكتير من تكبير البزنس.. تعلمت إزاي أحط حدود من غير ما أحس بذنب.
صفية باعت الشقة، سددت البنك، وبالباقي أأجرت شقة صغيرة أوضة وصالة. ولأول مرة في حياتها، عاشت على قد لحافها.
أدهم اشتغل ساعات طويلة عشان يظبط دنيته بعد ما طلق شيرين، اللي أخدت حكم مع الشغل وإلزام بفيصل الديون.
تامر كان بيدفع القسط الشهري للشركة في معاده بالظبط.. وما اتكلمناش تاني بره حدود الحسابات الرسمية.
بعد سنة من الطلاق، شركتي كانت بتحتفل بمرور 10 سنين في مطعم كبير. فريقي، أصحابي المقربين، وبابا كانوا معايا.
فريدة كانت قاعدة على يميني، وبابا على شمالي.
قبل الأكل الأساسي، الجارسون حط طبق أبيض فاضي ولامع قدامي.
لكسر من الثانية، صدري اتقبض.. كان شبه الطبق بتاع الليلة دي جداً.
فريدة لاحظت في ثانية: “مريم؟ أنتِ كويسة؟”
بصيت للبورسلين اللامع، وبعدين بصيت للترابيزة حولي.
محدش كان بيضحك عليا.
محدش كان بيطلب مني فلوس.
محدش كان بيقيم قيمتي باللي أقدر أدفعه له.
الجارسون رجع وحط وجبة معموله بروقان جوه الطبق.
ضحكت—ضحكة صافية من قلبي: “أنا كويسة جداً يا فريدة.. عمرها ما كانت أحسن من كده.”
بابا رفع كاسه: “لبنتي.. لقوتها ونجاحها.”
الكل رفع كاساته معايا.
”هو إحنا بنشرب نخب إيه بالظبط؟” سألت وابتسمت.
فريدة ضحكت ولمست كاسها بكاسي: “بنكرم درس إن حط الحدود.. هو أعلى درجات احترام الذات.”
الكلمات دي فضلت في عقلي.
لفترة طويلة، كنت فاكرة إن ليلة الطبق الفاضي كانت أكتر لحظة مهينة في حياتي..
دلوقتي بقيت شايفاها واحدة من أعظم الهدايا اللي اتوهبت لي.
كنت محتاجة أشوف الطبق ده فاضي.. عشان أفهم قد إيه أنا كنت بصب من روحي ووقتي في ناس ملهاش قاع.