قبل فرحي ب12يوم
ما سألتنيش عن أي تفاصيل، قفلت باب مكتبها وقالتلي بهدوء:
— يبقى تفكري هنا براحتك ومحدش هيضايقك ولا يدخل عليكِ.
ذوق ودعم بسيط جداً، بس كان هيخليني أعيط. بقالي سنين رابطة بين الحب وبين إني أستحمل وأعدي. مدام ماجدة في اللحظة دي أثبتت لي إن احترام البني آدم معناه كمان إنك ترحم مساحته وما تتعداش عليها.
على معاد الغدا كلمت البنك. سألت خصيصاً عن المعاملات اللي تمت في دبي. الموظفة أكدت لي حاجة خليتني أضغط على التليفون بإيدي بجنون. التذاكر اتأكدت من الكارت الإضافي بتاع كريم.
— ممكن تقولي لي لو كان فيه أي تعديل اتعمل على الحجز؟
— أيوه يا فندم، الحجز في الأول كان لـ 3 أفراد.
سكت تماماً:
— ثلاثة؟
— الحجز الأصلي كان فيه تذكرة ثالثة، بس اتلغت بعد كده.
التذكرة دي كانت تذكرتي أنا.
— اتلغت إمتى؟
الموظفة قالت لي على التاريخ.. قبل السفر بيومين كاملين.
طلبت منها تبعث لي إيصالات الخصم والتعديل على الإيميل، ووصلتني في نفس العصرية. كريم ماكانش بس عارف إن رنا هتسافر معاه، ده غير الحجز اللي كنا عاملينه سوا من شهور بقصد ونية مبيتة. كلمت شركة الطيران عشان أتأكد، الكرسي اللي كان جمبه بالظبط في الطيارة اتغير بقى باسم رنا. مكاني أنا.. بالحرف.
بليل، نزلت رحت بيت أمي في مدينة نصر. كانت قاعد بتتفرج على قوائم المعازيم وترتيب التربيزات.
— أخيرًا جيتي! رنا عايزة تغير لون الورد عشان شايفه إن…
— الفرح اتلغى يا أمي.
أمي رفعت رأسها وبصت لي بذهول:
— إيه؟
— أنا لغيت الفرح من كام يوم.
— بلاش هبل يا مريم!
— الموضوع انتهى خلاص.
حطت القلم من إيدها:
— عشان موضوع السفرية؟ يا مريم هتهدي حياه و12 سنة حب عشان خطيبك طلع السفر بدري يوم؟
— هو ما طلعش السفر بدري.
حطيت الورق والإيصالات قدامها على الترابيزة:
— اشترى تذكرة رنا قبلها بـ 6 أيام، ولغى تذكرتي أنا قبلها بيومين.
أمي قرأت الورق وسكتت شوية، وبعدين قالت:
— أكيد فيه سبب أو سوء فهم.
ضحكت بوجع:
— دايماً فيه سبب وسوء فهم!
— رنا خسرانة أهلها من وهي صغيرة يا مريم…
أهو نفس الكارت المحروق طلع تاني.
— الكلام ده حصل من 24 سنة يا ماما!
— فيه جروح ما بتتقفلش بسهولة…
— أنا مش بطلب منكم تبطلوا تحبوها!
خبطت بأصبعي خبطات خفيفة على الورق:
— أنا بس بسأل: هو ليه عشان تحبوها لازم تاخدوا مني حاجة وتكسروني؟
أمي وِطّت عينها في الأرض:
— محدش خد منك حاجة.
— أنتِ أجبرتيني أتنازل عن “سيمبا”، كلبي اللي جدي جابهولي.
ملامحها اتغيرت:
— كنتِ عيلة صغيرة وقتها!
— بالظبط، كنت عيلة.
سكتت، فكملت:
— وإديتيها أوضتي لما جِت تعيش معانا، وأنا قعدت 8 شهور أنام في الصالة. ولما إحنا الاتنين قدمنا على كورس إنجليزي، دفعتوا لها هي وأنا قال إيه “ممكن أستنى عشان الظروف”. ولما تميت 18 سنة، أخدتوا جزء من الفلوس اللي جدي كان شايلها لي عشان تعملوا لها هي عيد ميلاد كبير.
— الكلام ده ما حصلش بالشكل ده!
طلعت الموبايل:
— جدي بنفسه أكد لي الكلام ده إمبارح.
وش أمي اصفرّ. أنا نفسي اتفاجأت لما عرفت. جدي كان شايف كل حاجة بتحصل ومتابها وساكت طول السنين دي عشان ما يعملش مشاكل. كلمني أول ما عرف إني لغيت الفرح.
“ما تتجوزيش حد بيخليكي مطفية ومش متشايفة”، ده اللي قالهولي، وبعدها فكرني بموضوع الفلوس ده. كانت أول مرة أستوعب إن ظلمهم ليا ماكانش مجرد تخيلات في دماغي، كان فيه شهود عليه.
في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح. دخل كريم ورنا. كريم كان ماسك في إيده أوراق الفندق والدار.
— كويس إنك هنا يا مريم، عشان نلحق نخلص أوراق…
— ما بقاش فيه حاجة تخلص.
مديت إيدي واديتوله صورة من ورقة إلغاء حجز الدار. قرأ أول صفحة ووشه اتغير تماماً:
— أنتِ لغيتي الفرح؟
— أيوه.